تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥

هل الاستصحاب أمارة أو أصل ( 1 ) ؟

بعد أن تقدم إنه لا يصح توصيف قاعدة العمل للشاك - أية قاعدة كانت - بالحجة في باب الأمارات يتضح لك : إنه لا يصح توصيفها بالأمارة ، فإنه تكون أمارة على أي شيء وعلى أي حكم . ولا فرق في ذلك بين قاعدة الاستصحاب وبين غيرها من الأصول العملية والقواعد الفقهية . إذ أن قاعدة الاستصحاب في الحقيقة مضمونها حكم عام وأصل عملي يرجع إليها المكلف عند الشك والحيرة ببقاء ما كان . ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الدليل عليها الأخبار أو غيرها من الأدلّة كبناء العقلاء ، وحكم العقل ، والإجماع . ولكن الشيخ الأنصاري « أعلى اللّه مقامه » فرق في الاستصحاب بين أن يكون مبناه الأخبار فيكون أصلا ، وبين أن يكون مبناه حكم العقل فيكون أمارة . قال ما نصه : ( إن عد الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم نظير أصل البراءة وقاعدة الاشتغال مبني على استفادته من الأخبار . وأما بناء على كونه من أحكام العقل : فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس والاستقراء على القول بهما ) . أقول : وكأن من تأخر عنه أخذ هذا الرأي إرسال المسلمات ، والذي يظهر من القدماء : أنه معدود عندهم من الأمارات كالقياس ، إذ لا مستند لهم عليه إلّا حكم العقل . غير أن الذي يبدو لي : إن الاستصحاب - حتى على القول بأن مستنده حكم العقل - لا يخرج عن كونه قاعدة عملية ليس مضمونها إلّا حكما ظاهريا مجعولا للشاك . وأما الظن ببقاء المتيقن - على تقدير حكم العقل وعلى تقدير حجية مثل هذا
شرح
( 1 ) الاستصحاب أصل لا أمارة . لأن الأصل ينظر إلى الواقع المجرد عن صفة الكشف ، فإن الشارع في الواقع جزء مقوم لموضوع الأصل ، وهذا بخلاف الأمارة فإنها تنظر إلى الواقع وتكشف عنه . كما أن المجعول في الأمارة هو اعتبار الظن الناشئ منها وتنزيل هذا الظن منزلة العلم تعبدا أي : أن الشارع عبدنا بالأخذ بهذه الأمارة وجعلنا نتعامل معها كما نتعامل مع العلم من حيث العمل بها والالتزام بآثارها ، بينما الأصل المجعول الشرعي فيه مجرد العمل بمؤداه كبديل عن الواقع في حالة التردد وذلك نتيجة فقدانه للدليل القطعي أو الظني المعتبر شرعا . إذا : الأصل جعل لتحديد الوظيفة العملية لرفع التردد عن المكلف عند فقدانه للعلم أو الظن المعتبر شرعا ، وعليه يتضح : أن الاستصحاب ينظر إلى الواقع مجردا عن صفة الكشف عنه زائدا الشك في الواقع . إذا : الاستصحاب أصل لا أمارة .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 365 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني