ما يؤدي معنى الإبقاء لا يصح وصفه بالحجة ، لأنه إن أريد منه الإبقاء العملي المنسوب إلى المكلف : فواضح عدم صحة توصيفه بالحجية ، لأنه ليس الإبقاء العملي يصح أن يكون دليلا على شيء وحجة فيه . وإن أريد منه الإلزام الشرعي : فإنه مدلول الدليل ، لا إنه دليل على نفسه وحجة على نفسه ، وكيف يكون دليلا على نفسه وحجة على نفسه ؟
فهو من هذه الجهة شأنه شأن الأحكام التكليفية المدلولة للأدلة .
قلت : نستطيع حل هذه الشبهة بالرجوع إلى ما ذكرناه من معنى الإبقاء الذي هو مؤدى الاستصحاب ، وهو أن المراد به القاعدة الشرعية المجعولة في مقام العمل ، فليس المراد منه الإبقاء العملي المنسوب إلى المكلف والإلزام الشرعي ، فيصح توصيفه بالحجة ولكن لا بمعنى : الحجة في باب الأمارات بل بالمعنى اللغوي لها ، لأنه لا معنى لكون قاعدة العمل دليلا على شيء مثبتة له ، بل هي الأمر المجعول من قبل الشارع فتحتاج إلى إثبات ودليل كسائر الأحكام التكليفية من هذه الجهة ، ولكنه نظرا إلى أن العمل على وفقها عند الجهل بالواقع يكون معذرا للمكلف إذا وقع في مخالفة الواقع ، كما أنه يصح الاحتجاج بها على المكلف إذا لم يعمل على وفقها فوقع في المخالفة . . . صح أن توصف بكونها حجة بالمعنى اللغوي . وبهذه الجهة يصح
شرح
أما الإبقاء العملي : فهو لا يوصف بالحجية لأن عمل المكلف لا معنى لأن يكون حجة لأنه ليس دليلا على شيء ، ولا يكون حجة عليه ، ولا يكون مثبتا لشيء .
وإذا كان المراد من الإبقاء في التعريف هو الإلزام الشرعي بالإبقاء ، يقول المعترض : هذا الإلزام لا يصح توصيفه بالحجة لأن الإلزام هو مدلول الدليل لا إنه دليل على شيء ، والحجة في باب الأمارات هو الذي يكون دليلا على شيء ، فالإلزام الشرعي بالبقاء حاله حال بقية الأحكام التكليفية فلا نستطيع أن نقول : إن وجوب الصلاة دليل وحجة ، نعم الدليل ( خبر الثقة مثلا ) الدال على وجوب الصلاة حجة .
هذا الإشكال جعله المستشكل نقطة ضعف في التعريف فقال : التعريف للاستصحاب بهذا ليس بصحيح بدليل أن الاستصحاب المعرف يصح توصيفه بالحجية بلا خلاف ، مع إن ما عرفنا به الاستصحاب لا يصلح توصيفه بالحجية .
إذا : لا بد أن يبدل التعريف بتعريف يصح أن يوصف بالحجية .
المصنف في مقام الجواب يقول : إن المشكل قد اختلط عليه الأمر ، فإشكال المشكل قائم على أن المراد من الحجة بمعناها الاصطلاحي ، بينما كلامنا عن الحجية بمعناها اللغوي ، وعليه : فلا إشكال .
إذا : إن الاستصحاب كقاعدة مجعولة من قبل الشارع هي حجة بالمعنى اللغوي ؛ لأنه شيء يستطيع المولى أن يحتج به على عبده .