كما يقتضي الحكم بحجية المشهور عدم حجية الشاذ فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي ، كذلك يقتضي الحكم بحجية الشاذ عدم حجية المشهور فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي . وليس الأول أولى بالتقديم من الثاني .
نعم إذا دل دليل خاص مثل : ( المقبولة ) على أولوية الشهرة بالتقديم من المخالفة فهذا شيء آخر هو مقتضى الدليل ، لا إنه مقتضى القاعدة .
والنتيجة : إنه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم أحد المرجحات على الآخر ، ما عدا الشهرة التي دلت المقبولة على تقديمها ، وما عدا ذلك فالمقدم هو الأقوى مناطا ، أي :
ما هو الأقرب إلى الواقع في نظر المجتهد ، فإن لم يحصل التفاضل من هذه الجهة فالقاعدة هي التساقط لا التخيير ، ومع التساقط يرجع إلى الأصول العملية التي يقتضيها المورد .
المقام الثالث : في التعدي عن المرجحات المنصوصة :
لقد اختلفت أنظار الفقهاء في وجوب الترجيح بغير المرجحات المنصوصة على أقوال :
1 - وجوب التعدي إلى كل ما يوجب الأقربية إلى الواقع نوعا : وهو القول المشهور ، ومال إليه الشيخ الأعظم وجماعة من محققي أساتذتنا . وزاد بعض الفقهاء الاعتبار في الترجيح بكل مزية ، وإن لم تفد الأقربية إلى الواقع أو الصدور ، مثل :
تقديم ما يتضمن الحظر على ما يتضمن الإباحة .
2 - وجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة : وهو الذي يظهر من كلام الشيخ الكليني في مقدمة الكافي ، ومال إليه الشيخ صاحب الكفاية ، وهو لازم طريقة الأخباريين في الاقتصار على نصوص الأخبار والجمود عليها .
3 - التفصيل بين صفات الراوي فيجوز التعدي فيها وبين غيرها فلا يجوز .
ولما كانت المباني في الأصل في المتعارضين مختلفة ، فلا بد أن تختلف الأقوال في هذه المسألة على حسبها ، فنقول :
أولا : إذا قلنا : بأن الأصل في المتعارضين هو التساقط - وهو المختار - فإن الأصل يقتضي عدم الترجيح إلّا ما علم بدليل كون شيء مرجحا ، ولكن هذا الدليل هل يكفي فيه نفس حجية الأمارة ، أو يحتاج إلى دليل خاص جديد ؟
فإن قلنا : إن دليل الأمارة كاف في الترجيح ، فلا شك في اعتبار كل مزية توجب الأقربية إلى الواقع نوعا . والظاهر أن الدليل كاف في ذلك ، لا سيما إذا كان دليلها