فهو أولى بالتقديم .
وقد أصر شيخنا النائيني « أعلى اللّه درجته » ، على الأول ، أي : أنه يرى أن القاعدة تقتضي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي ، وبنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي لا لغرض آخر يتفرع على فرض صدوره حقيقة أو تعبدا ؛ لأن جهة الصدور من شؤون الصادر ، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه أنه صادر لبيان الحكم الواقعي أو لبيان غيره . وعليه : فإذا كان الخبر الموافق للعامة مشهورا وكان الخبر الشاذ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة دون مخالفة الآخر للعامة ؛ لأن مقتضى الحكم بحجة المشهور عدم حجية الشاذ ، فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي ، ليحمل المشهور على التقية ، إذ لا تعبد بصدور الشاذ حينئذ .
أقول : إن المسلم إنما هو تأخر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة أو تعبدا وتوقف الأول على الثاني ، ولكن ذلك غير المدعى ، وهو توقف مرجح الأول على مرجح الثاني فإنه ليس المسلم نفس المدعى ، ولا يلزمه .
أما أنه ليس نفسه فواضح لما قلناه من : أن المسلم هو توقف الأول على الثاني ، وهو بالبديهة غير توقف مرجحه على مرجحه الذي هو المدعى .
وأما إنه لا يستلزمه فكذلك واضح ، فإنه إذا تصورنا هناك خبرين متعارضين :
1 - مشهورا موافقا للعامة .
2 - شاذا مخالفا لهم .
فإن الترجيح للشاذ بالمخالفة إنما يتوقف على حجيته الاقتضائية الثابتة له في نفسه ، لا على فعلية حجيته ، ولا على عدم فعلية حجية المشهور في قباله ، بل فعلية حجية الشاذ تنشأ من الترجيح له بالمخالفة ، ويترتب عليها حينئذ عدم فعلية حجية المشهور .
وكذلك الترجيح للمشهور بالشهرة إنما يتوقف على حجيته الاقتضائية الثابتة له في نفسه ، لا على فعلية حجيته ، ولا على عدم فعلية حجية الشاذ في قباله ، بل فعلية حجية المشهور تنشأ من الترجيح له بالشهرة ، ويترتب عليها حينئذ عدم فعلية حجية الشاذ .
وعليه : فكما لا يتوقف الترجيح بالشهرة على عدم فعلية الشاذ المقابل له ، كذلك لا يتوقف الترجيح بالمخالفة على عدم فعلية المشهور المقابل له ، ومن ذلك يتضح : إنه
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 336
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣٣٦