لم يكن أحدهما أقوى مناطا تخير بينهما . وهذا هو مختار الشيخ صاحب الكفاية .
الثاني : أنها مترتبة ويقدم المرجح الجهتي على غيره ، فالمخالف للعامة أولى بالتقديم على الموافق لهم وإن كان مشهورا . وهذا هو المنسوب إلى الوحيد البهبهاني .
الثالث : أنها مترتبة ، ولكن على العكس من الأول ، أي : أنه يقدم المرجح الصدوري على غيره ، فيقدم المشهور ( 1 ) الموافق للعامة على الشاذ المخالف لهم . وهذا هو ما ذهب إليه شيخنا النائيني .
الرابع : أنها مترتبة حسبما جاء في المقبولة أو في الروايات الأخرى ، بأن يقدم - مثلا حسبما يظهر من المقبولة - المشهور فإن تساويا في الشهرة قدم الموافق للكتاب والسنة ، فإن تساويا في ذلك قدم ما يخالف العامة ( 2 ) .
وهناك أقوال أخرى لا فائدة في نقلها .
وفي الحقيقة : إن هذا الخلاف ليس بمناط واحد ، بل يبتني على أشياء :
منها : أنه يبتني على القول بوجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة ( 3 ) ، فإن مقتضى ذلك أن يرجع إلى مدى دلالة أخبار الباب ، وإلى ما ينبغي من الجمع بينها
شرح
( 1 ) أي : المشهور بين فقهائنا .
( 2 ) تعليق : يبدو من هذا الخلاف بين العلماء : إنه لا قاعدة عقلية أو نقلية تدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها ، ولذلك تجد عند مراجعتك لأقوال العلماء التناقض والاختلاف . وعن الشيخ البهائي أنه قال في مسألة الترجيح بين المرجحات : « إنها مثنى وثلاث ورباع ، فاتبع منها الأقوى » . ولم يعط ضابطا معينا يدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها . وهذا إن دل على شيء يدل على إن مشكلة الترجيح بين المرجحات المنصوصة لا ضابط لها ، ويرجح الأمر في النهاية إلى اجتهاد المجتهد وورعه في ترجيح أحدهما على الآخر .
( 3 ) في روايات الترجيح . والمرجحات المنصوصة كما ذكرت في المتن هي : الشهرة ، وصفات الراوي ، وموافقة الكتاب ، ومخالفة أهل الرأي والقياس . هل يجب الاقتصار على هذه المرجحات المنصوصة ، أو يجوز التعدي عنها إلى مرجح يقرب الخبر من الحق والواقع ؟
قال النائيني : الأقوى وجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة وعدم جواز التعدي عنها .
وقال الشيخ الأنصاري في رسائله : بعدم الاقتصار على المرجحات المنصوصة بل يجب الأخذ بكل مرجح يقرب إلى الحق والواقع ، وهذا هو المشهور . وذكر ما يدل على هذا القول أدلة منها :
1 - أن المستفاد من الأخبار هو : التخيير بين المتعارضين مع التعادل كما سبقت الإشارة ، فإذا احتملنا وجود مرجح غير منصوص عليه في أحد الخبرين يدور الأمر بين التعيين والتخيير ، ومن المسلمات الأولية : أن العقل يحكم بالتعيين تحصيلا لليقين بفراغ الذمة والخروج عن العهدة ، والطرف الثاني