بناء العقلاء الذي هو أقوى أدلة حجيتها ، فإن الظاهر أن بناءهم على العمل بكل ما هو أقرب إلى الواقع من الخبرين المتعارضين ، أي : أن العقلاء وأهل العرف في مورد التعارض بين الخبرين غير المتكافئين لا يتوقفون في العمل بما هو أقرب إلى الواقع في نظرهم ، ولا يبقون في حيرة من ذلك ، وإن كانوا يعملون بالخبر الآخر المرجوح لو بقي وحده بلا معارض . وإذا كان للعقلاء مثل هذا البناء العملي فإنه يستكشف منه رضا الشارع وإمضاؤه على ما تقدم وجهه في خبر الواحد والظواهر .
وإن قلنا : إن دليل الأمارة غير كاف ولا بد من دليل جديد ، فلا محالة يجب الاقتصار على المرجحات المنصوصة ، إلّا إذا استفدنا من أدلة الترجيح عموم الترجيح بكل مزية توجب أقربية الأمارة إلى الواقع ، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم ، فإنه أكد في الرسائل : على أن المستفاد من الأخبار : أن المناط في الترجيح هو الأقربية إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين ، من جهة أنه أقرب من دون مدخلية خصوصية سبب ومزية . وقد ناقش هذه الاستفادة صاحب الكفاية فراجع .
ثانيا : إذا قلنا بأن القاعدة الأولية في المتعارضين هو التخيير ، فإن الترجيح - على كل حال - لا يحتاج إلى دليل جديد ، فإن احتمال تعين الراجح كاف في لزوم الترجيح ، لأنه يكون المورد من باب الدوران بين التعيين والتخيير ، والعقل يحكم بعدم جواز تقديم المرجوح على الراجح لا سيما في مقامنا ، وذلك لأنه بناء على القول بالتخيير يحصل العلم بأن الراجح منجز للواقع إما تعيينا وإما تخييرا ، وكذلك هو معذر عند المخالفة للواقع ، وأما المرجوح : فلا يحرز كونه معذرا ولا يكون العلم به معذرا بالفعل لو كان مخالفا للواقع .
وعليه ، فيجوز الاقتصار على العمل بالراجح بلا شك ، لأنه معذر قطعا على كل حال سواء وافق الواقع أو خالفه ، ولا يجوز الاقتصار على العمل بالمرجوح لعدم إحراز كونه معذرا .
ثالثا : إذا قلنا بأن القاعدة الثانوية الشرعية في المتعارضين هو التخيير كما هو المشهور - وإن كانت القاعدة الأولية العقلية هي التساقط - فلا بد أن نرجع إلى مقدار دلالة أخبار الباب ، فإن استفدنا منها التخيير مطلقا - حتى مع وجود المرجحات - فذلك دليل على عدم اعتبار الترجيح مطلقا بأي مرجح كان ، وإن استفدنا منها التخيير في صورة تكافؤ المتعارضين فقط : فلا بد من استفادة الترجيح من نفس
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 338
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣٣٨