أما الأولى : فلم يرد فيها من الأخبار ما يدل على الترجيح بها ، فإذا قلنا بالترجيح بها ، فلا بد أن يكون بمناط وجوب الترجيح بكل ما يوجب الأقربية إلى الواقع ، على ما سيأتي وجهه ، غاية الأمر : أن تقوية الرواية بالعمل بها يشترط فيها أمران :
شرح
مستندا إلى هذه الرواية واطلاعهم على قرائن وأمارات تدل على صحة هذه الرواية ، لقرب عصرهم من زمان حضور الأئمة « عليهم السلام » وخفيت تلك القرائن والأمارات علينا ؛ لبعد زماننا وهذا أمر ممكن عادة لا استبعاد فيه .
أما في الصورة الأولى : فلا يمكن استكشاف كون الفتوى مستندة إلى تلك الرواية الضعيفة ؛ لإمكان كونهم معتمدين على تلك القاعدة ، سواء أكان المتأخرون متفقين في الفتوى أو لا ، فانضمام المتأخرين إليهم لا أثر له .
- أما في الصورة الثانية : فنفس الشهرة بين المتقدمين كافية لاستكشاف أن فتواهم مستندة إلى الرواية الضعيفة ، ولا حاجة إلى انضمام الشهرة بين المتأخرين إلى شهرتهم » « 1 » . وأهم ما يدل على هذا المرجح المقبولة والمرفوعة اللتان تم الحديث عنهما مفصلا في الترجيح بالصفات .
وقد جاء في « مقبولة » ابن حنظلة : « ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور » . والمراد بالخبر المشهور : ما شاع وذاع عند أهل الحديث ، ويقابله الشاذ ، وعليه : يكون المراد من الشهرة هنا : الشهرة الروائية دون الفتوائية والعملية .
وقال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : « إن سيرة العلماء وطريقتهم في باب الترجيح مستمرة على تقديم الخبر المشهور على الشاذ » .
وقال السيد محمود الهاشمي عن السيد الصدر « قدّس سرّه » : « أما استفادة الترجيح بالشهرة من هاتين الروايتين ، فقد ناقش فيها جملة من المحققين بأن المراد من الشهرة التواتر والاستفاضة في النقل ، وفي مثل هذه الحالة تسقط الرواية الشاذة عن الحجية في نفسها لمعارضتها مع دليل قطعي ، فلا يكون الأخذ بالمشهور من باب الترجيح بل من باب تمييز الحجة عن اللاحجة » .
والتحقيق : أن الشهرة إذا لوحظت بالنسبة إلى الرواية بما هي حكاية عن حديث المعصوم ، تكون ظاهرة في الشهرة الروائية المساوقة مع الاستفاضة ، وإذا لوحظت بالإضافة إلى الرواية بما هو رأي نقل عن المعصوم كانت ظاهرة في الشهرة الفتوائية والعملية عند الفقهاء . ولا يبعد أن يكون ظاهر المرفوعة إرادة الاشتهار في الفتوى لا في الرواية بقرينتين :
أولاهما : ما جاء في افتراض السائل تعليقا على الترجيح بالشهرة من إمكان اشتهار الروايتين المتعارضتين معا ، وهذا لا يناسب الشهرة في الرواية المساوقة مع قطعية الصدور ، إذ لو أريد ذلك لم يبق مجال بعد ذلك للترجيح بالأعدلية والأوثقية عقلائيا . ودعوى : إن الشهرة الروائية حينما توجد في المتعارضين معا لا يحصل القطع بالصدور منها ، مدفوعة : بأن هذا إنما يصح فيما إذا كان يستبعد صدور أحاديث متعارضة ، من الأئمة « عليهم السلام » ، ولا استبعاد في صدورها عنهم بعد ما عرف من
هامش
( 1 ) راجع : كتاب منتهى الأصول ج 2 ، ص 784 - 787 .