أحدهما بجعل جديد ، ولا مانع عقلي من تلك .
وعلى هذا ، فالقاعدة المستفادة من هذا الدليل الخاص قاعدة ثانوية مجعولة من قبل الشارع ، بعد أن كانت القاعدة الأولية بحكم العقل هي التساقط .
بقي علينا أن نفهم معنى التخيير على تقدير القول به ، بعد أن بينا سابقا إنه لا معنى للتخيير بين المتعارضين من جهة الحجية ، ولا من جهة الواقع فنقول :
إن معنى التخيير بمقتضى هذا الدليل الخاص : أن كل واحد من المتعارضين منجّز للواقع على تقدير إصابته للواقع ومعذر للمكلف على تقدير الخطأ ، وهذا هو معنى الجعل الجديد الذي قلناه ، فللمكلف أن يختار ما يشاء منهما فإن أصاب الواقع فقد تنجز به وإلّا فهو معذور . وهذا بخلاف ما لو كنا نحن والأدلة العامة ، فإنه لا منجزية لأحدهما غير المعين ولا معذرية له .
والشاهد على ذلك : إنه بمقتضى هذا الدليل الخاص لا يجوز ترك العمل بهما معا ، لأنه على تقدير الخطأ في تركهما لا معذر له في مخالفة الواقع ، بينما أنه معذور في مخالفة الواقع لو أخذ بأحدهما . وهذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاص موجودا فإنه يجوز له ترك العمل بهما معا وإن استلزم مخالفة الواقع ؛ إذ لا منجز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الأدلة العامة .
* * *
[ اخبار الباب ]
إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك أخبار الباب ليتضح الحق في المسألة ، فإن منها ما يدل على التخيير مطلقا ، ومنها ما يدل على التخيير في صورة التعادل ، ومنها ما يدل على التوقف ، ثم نعقب عليها بما يقتضي ، فنقول : إن الذي عثرنا عليه من الأخبار هو كما يلي :
1 - خبر الحسن بن جهم عن الرضا « عليه السلام » ( 1 ) :
قلت : يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ، فلا نعلم أيهما الحق ؟
قال : « فإذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت » .
وهذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا ، ولكن صدره - الذي لم نذكره - مقيد بالعرض على الكتاب والسنة ، فهو يدل على أن
شرح
( 1 ) الوسائل ، كتاب القضاء ، الباب 9 من أبواب صفات القاضي ، عن الاحتجاج .