الحكم منها لاختلافها على ثلاثة أقوال :
1 - التخيير في الأخذ بأحدهما ، وهو مختار المشهور ، بل نقل الإجماع عليه .
2 - التوقف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل ، ولو كان الاحتياط مخالفا لهما كالجمع بين القصر والإتمام في موارد تعارض الأدلة بالنسبة إليهما .
وإنما كان التوقف يرجع إلى الاحتياط ، لأن التوقف يراد منه التوقف في الفتوى على طبق أحدهما ، وهذا يستلزم الاحتياط في العمل ، كما في المورد الفاقد للنص ، مع العلم الإجمالي بالحكم .
3 - وجوب الأخذ بما طابق منهما الاحتياط ، فإن لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخير بينهما .
ولا بد من النظر في الأخبار لاستظهار الأصح من الأقوال . وقبل النظر فيها ينبغي الكلام عن إمكان صحة هذه الأقوال جملة ، بعد ما سبق من تحقيق أن القاعدة الأولية بحكم العقل هي التساقط ، فكيف يصح الحكم بعدم تساقطهما حينئذ ؟ وأكثرها إشكالا هو القول بالتخيير بينهما ، للمنافاة الظاهرة بين الحكم بتساقطهما وبين الحكم بالتخيير .
نقول في هذا الجواب عن هذا السؤال : إنه إذا فرضت قيام الإجماع ونهوض الأخبار على عدم تساقط المتعارضين ، فإن ذلك يكشف عن جعل جديد من قبل الشارع لحجية أحد الخبرين بالفعل لا على التعيين ، وهذا الجعل الجديد لا ينافي ما قلناه سابقا من سر تساقط المتعارضين بناء على الطريقية ، لأنه إنما حكمنا بالتساقط فمن جهة قصور دلالة أدلة حجية الأمارة عن شمولها للمتعارضين أو لأحدهما لا على التعيين ، ولكن لا يقدح في ذلك أن يرد دليل خاص يتضمن بيان حجية أحدهما غير المعين بجعل جديد ، لا بنفس الجعل الأول الذي تتضمنه الأدلة العامة .
ولا يلزم من ذلك - كما قيل - أن تكون الأمارة حينئذ مجعولة على نحو السببية ، فإنه إنما يلزم ذلك لو كان عدم التساقط باعتبار الجعل الأول .
وبعبارة أخرى أوضح : إنه لو خلينا نحن والأدلة العامة الدالة على حجية الأمارة فإنه لا يبقى دليل لنا على حجية أحد المتعارضين ؛ لقصور تلك الأدلة عن شمولها لهما ، فلا بد من الحكم بعدم حجيتهما معا . أما وقد فرض قيام دليل خاص في صورة التعارض بالخصوص على حجية أحدهما فلا بد من الأخذ به ، ويدل على حجية
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 312
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣١٢