فتحصل من ذلك كله : إنه لا مجال للقول بأولوية الجمع التبرعي من الطرح في كل صورة مفروضة للمتعارضين .
إذا عرفت ما ذكرناه من الأمور - في ( المقدمة ) - فلنشرع في المقصود ، والأمور التي ينبغي أن نبحثها ثلاثة : الجمع العرفي ، والقاعدة الثانوية في المتعادلين ، والمرجحات السندية وما يتعلق بها .
* * *
الأمر الأول - الجمع العرفي :
بمقتضى ما شرحناه في المقدمة الأخيرة يتضح : أن القدر المتيقن من قاعدة أولوية الجمع من الطرح في المتعارضين هو « الجمع العرفي » ، الذي سماه الشيخ الأعظم ب « الجمع المقبول » ، وغرضه : المقبول عند العرف ، ويسمى الجمع الدلالتي .
وفي الحقيقة - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك - أنه بالجمع العرفي يخرج الدليلان عن التعارض ، والوجه في ذلك : أنه إنما نحكم بالتساقط أو التخيير أو الرجوع إلى العلاجات السندية حيث تكون هناك حيرة في الأخذ بهما معا ، وفي موارد الجمع العرفي لا حيرة ولا تردد .
وبعبارة أخرى : أنه لما كان التعبد بالمتنافيين مستحيلا ، فلا بد من العلاج إما بطرحهما أو بالتخيير بينهما أو بالرجوع إلى المرجحات السندية وغيرها ، وأما لو كان الدليلان متلائمين غير متنافيين بمقتضى الجمع العرفي المقبول فإن التعبد بهما معا يكون تعبدا بالمتلائمين ، فلا استحالة فيه ولا محذور حتى نحتاج إلى العلاج .
ويتضح من ذلك : إنه في موارد الجمع لا تعارض ، وفي موارد التعارض لا جمع .
وللجمع العرفي موارد لا بأس بالإشارة إلى بعضها للتدريب :
فمنها : ما إذا كان أحد الدليلين أخص من الآخر ، فإن الخاص مقدم على العام يوجب التصرف فيه ؛ لأنه بمنزلة القرينة عليه ، وقد جرى البحث في أن الخاص مطلقا بما هو خاص مقدم على العام ، أو إنما يقدم عليه لكونه أقوى ظهورا ، فلو كان العام أقوى ظهورا كان العام هو المقدم ، ومال الشيخ الأعظم إلى الثاني . كما جرى البحث في أن أصالة الظهور في الخاص حاكمة أو واردة على أصالة الظهور في العام ، أو أن في ذلك تفصيلا . ولا يهمنا التعرض إلى هذا البحث ، فإن المهم تقديم الخاص على العام على أي نحو كان من أنحاء التقديم .