المعين يجب الأخذ به فعلا ، حتى يجب التخيير ، بل حينئذ يتساقطان ، أي : أن كلا منهما يكون ساقطا عن الحجية الفعلية وخارجا عن دليل الحجية .
وإن كان الثاني فنقول : أولا : لا يصح أن يفرض التخيير من جهة الواقع إلّا إذا علم بإصابة أحدهما للواقع ، ولكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجتين المتعارضتين ، إذ يجوز فيهما أن يكونا معا كاذبتين ، وإنما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب أحدهما لا العلم بمطابقة أحدهما للواقع . وعلى هذا : فليس الواقع محرزا في أحدهما حتى يجب التخيير بينهما من أجله .
وثانيا : على تقدير حصول العلم بإصابة أحدهما غير المعين للواقع ، فإنه أيضا لا وجه للتخيير بينهما ، إذ لا وجه للتخيير بين الواقع وغيره ، وهذا واضح .
وغاية ما يقال : أنه إذا حصل العلم بمطابقة أحدهما للواقع فإن الحكم الواقعي يتنجز بالعلم الإجمالي ، وحينئذ : يجب إجراء قواعد العلم الإجمالي فيه . ولكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا - وهي مسألة : أن القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير - لأن قواعد العلم الإجمالي تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجية الدليلين معا ، وقد يقتضي العلم الإجمالي في بعض الموارد التخيير وقد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر ، على اختلاف الموارد .
* * *
إذا عرفت ذلك فيتحصل : أن القاعدة الأولية بين المتعارضين هو التساقط مع عدم حصول مزية في أحدهما تقتضي الترجيح .
أما لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجيتهما في نفي الثالث ( 1 ) ؟
الحق : إنه لا يقتضي ذلك لأن المعارضة بينهما أقصى ما تقتضي سقوط حجيتهما
شرح
( 1 ) وبعبارة أخرى : هل يدل الخبران المتعارضان على نفي الثالث ، حتى على القول بالتساقط ؟ مثلا :
إذا قال أحد الخبرين : هذا واجب . وقال الآخر : بل هو حرام . فهل يدلان على إنه ليس بمندوب ؟
الجواب : يدل الخبران على نفي الثالث أي : إنه ليس بمندوب . وأما الخبران : فيتساقطان بالنسبة إلى ما تصادما فيه ، وبعد التساقط والرجوع إلى الأصول العملية وهي وجوب العمل بالأصل الموافق لأحدهما كالتخيير في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة ، والمنع عن الأصل المخالف لهما معا كالاستحباب كما في المثال .