وفاق ، أما في تعادل المتعارضين فقد وقع الخلاف في أن القاعدة هي التساقط ( 1 ) أو التخيير ؟
والحق : أن القاعدة الأولية هي التساقط وعليه أساتذتنا المحققون ، وإن دل الدليل من الأخبار على التخيير كما سيأتي ، ونحن نتكلم في القاعدة بناء على المختار من أن الأمارات مجعولة على نحو الطريقية ، ولا حاجة للبحث عنها بناء على السببية ، فنقول :
إن الدليل الذي يوهم لزوم التخيير هو : إن التعارض لا يقع بين الدليلين إلّا إذا كان كل منهما واجدا لشرائط الحجية ، كما تقدم في شروط التعارض ، ( ص 284 ) ، والتعارض أكثر ما يوجب سقوط أحدهما غير المعين عن الحجية الفعلية لمكان التكاذب بينهما ، فيبقى الثاني غير المعين على ما هو عليه من الحجية الفعلية واقعا ، ولما لم يمكن تعيينه ( 2 ) - والمفروض أن الحجة الفعلية منجزة للتكليف يجب العمل بها ( 3 ) - فلا بد من التخيير بينهما .
والجواب : إن التخيير المقصود إما أن يراد به التخيير من جهة الحجية أو من جهة الواقع ، فإن كان الأول : فلا معنى لوجوب التخيير بين المتعارضين ، لأن دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد أنفسهما إنما مفاده حجية أفراده على نحو التعيين لا حجية هذا أو ذاك من أفراده لا على التعيين ، حتى يصح أن يفرض أن أحدهما غير المعين حجة يجب الأخذ به فعلا ، فيجب التخيير في تطبيق دليل الحجية على ما يشاء منهما .
وبعبارة أخرى : أن دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد نفسه إنما يدل على وجود المقتضى للحجية في كل منهما لولا المانع ، لا فعلية الحجية ، ولما كان التعارض يقتضي تكاذبهما فلا محالة يسقط أحدهما غير المعين عن الفعلية ، أي : يكون لكل منهما مانعا عن فعلية حجية الآخر . وإذا كان الأمر كذلك فكل منهما لم تتم فيه مقومات الحجية الفعلية ليكون منجزا للواقع يجب العمل به ، فلا يكون أحدهما غير
شرح
( 1 ) أي : سقوط كلا من الدليلين عن الحجية .
( 2 ) أي : تعيين ما هو باقي على الحجية .
( 3 ) أي : بالحجية .