وبعناية ثبوت المتعبد به اعتبارا ( 1 ) .
6 - القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير ( 2 ) :
أشرنا فيما تقدم 2 / 294 إلى أن القاعدة في التعادل بين المتزاحمين هو التخيير بحكم العقل ، وذلك محل
شرح
( 1 ) وإذا ذهبنا إلى الأصول العقلية باختلاف موضوعها نجد : أن الشيخ الأنصاري في رسائله يطلق كلمة الورود على هذا الرفع لموضوع الأصول العقلية بواسطة الدليل الشرعي وتقديم الدليل عليها ، فموضوع البراءة قبح العقاب بلا بيان ، وموضوع الاحتياط احتمال العقاب عند الشك في فراغ الذمة والخروج عن العهدة ، وموضوع التخيير دوران الأمر بين محذورين ( الحرمة والوجوب ) مع عدم وجود المرجح . وقولنا بعدم وجود المرجح إذ مع وجوده يقدم المرجح فلا مشكلة حينئذ . فإذا جاء البيان والدليل الشرعي حينئذ لا يبقى موضوع لهذه الأصول العملية فترتفع بارتفاع موضوعها . فيرتفع موضوع البراءة العقلية للبيان الواصل إلى المكلف من الشارع ، لأنه كما قلنا : موضوع البراءة العقلية عدم البيان والدليل الشرعي وقد وجد . وكذلك يرتفع موضوع الاحتياط حيث لا يحتمل المكلف العقاب عند ترك الاحتياط والعمل بالبيان الواصل إليه ، وكذلك يرتفع موضوع التخيير المشروط بعدم وجود المرجح لأحد المحذورين ، بل ملزم بالدليل والبيان الشرعي الواصل إليه في تحديد أحدهما .
والشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » في رسائله يطلق كلمة الورود هنا في قوله : « إن كان الأصل مؤداه بحكم العقل كأصل البراءة العقلية والاحتياط والتخيير العقليين ، فالدليل وارد عليه ورافع لموضوعه » .
وبهذا البيان يكون معنى الورود هو ارتفاع موضوع المورد وجدانا وحقيقة ، ولكن كما قلنا بواسطة البيان الشرعي الذي اعتبره المولى « عزّ وجلّ » كاشفا عن الحكم كخبر الواحد .
( 2 ) هل الأصل في الخبرين المتكافئين من كل وجه هو التساقط أو التخيير ؟ تختلف الإجابة باختلاف اعتبار الخبر كدليل على الحكم الشرعي ، وأن وجوب العمل بهذا الخبر هل هو من باب السببية أو الطريقية ؟ بمعنى : أن مجرد إخبار الثقة بأن هذا الشيء واجب شرعا - مثلا - يجعله الشارع واجبا في حق المكلف حتى لو كان محرما في الواقع . وهذا هو التصويب الباطل . أو أن العمل بخبر الثقة من باب الطريقية بمعنى : أن الشارع أراد نفس الواقع دون سواه ، وأن خبر الثقة طريق إلى الواقع .
فعلى القول بالسببية الباطلة : يكون للحادثة الواحدة حكمان متكاذبان تبعا لتناقض الخبرين المتكافئين ، والمكلف قادر على امتثال أحدهما لا على نحو التعيين ، وعليه : يقع التزاحم بين الحكمين في مقام الامتثال ، ففي هذه الصورة تجري قاعدة تقديم الأهم على المهم إن وجد ، وإلّا فالتخيير .
وعلى القول بالطريقية : يتساقط الخبران المتعارضان حيث لا دليل على اعتبارهما وجواز العمل بهما .
فإن العقلاء وأهل العرف يطرحون الأقوال المتناقضة المتنافرة ، ولا يعتمدون عليها . فكيف بصاحب الشريعة وسيد العقلاء ؟
والحق : هو القول بالطريقية . وبطلان القول بالسببية لما قلنا بلزوم التصويب الباطل .
على القول بالسببية الباطلة قلنا : إن المكلف قادر على امتثال أحدهما لا على نحو التعيين ، لما ذا قلنا لا على نحو التعيين ؟ لأن التعيين ترجيح بلا مرجح ، وهذه قاعدة مطردة في جميع الأشياء المتزاحمة .