تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وتشمل القاعدة بحسب ذلك : صورة تعادل المتعارضين في السند ، وصورة ما إذا كانت لأحدهما مزية تقتضي ترجيحه في السند ، لأنه في الصورة الثانية بتقديم ذي المزية يلزم طرح الآخر مع فرض إمكان الجمع .
شرح
والظهور التصديقي هو : ظهور الكلام في أن المتكلم استعمله في معناه الحقيقي . وتقدم أيضا : أن القرينة إذا كانت متصلة فهي لا تهدم الظهور التصوري وإنما تهدم الظهور التصديقي ، فكلمة يرمي مثلا في جملة رأيت أسدا يرمي لا تمنع خطور الحيوان المفترس في كلمة الأسد وإنما تمنع الظهور التصديقي ؛ أي : الظهور في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس ، فلا يبقى ظهور في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس . وأما إذا كانت القرينة منفصلة : فهي لا تمنع من أصل انعقاد الظهور التصديقي المذكور وإنما تمنع حجيته ، فإذا قال المتكلم : رأيت أسدا ثم ذكر في كلام ثان كلمة يرمي فالكلام الأول يبقى ظاهرا في أن المتكلم قد استعمل كلمة الأسد في الحيوان المفترس . غاية الأمر : لا يبني العرف على حجيته بسبب قرينة الكلام الثاني . ورفع اليد على حجية ظهور الكلام الأول لأجل القرينة المنفصلة هو عبارة عن الجمع العرفي . 4 - عرفنا أن إعداد الكلام الثاني لتفسير الكلام الأول تارة : يكون إعدادا شخصيا يقوم به شخص المتكلم ، وأخرى : يكون إعدادا نوعيا عرفيا لا يختص بشخص المتكلم . والسؤال المطروح هنا : كيف نعرف أن المتكلم أعد الكلام الثاني كمفسر للكلام الأول ؟ وكيف نعرف أن العرف أعد الكلام الثاني كمفسر للكلام الأول ؟ أما فيما يخص السؤال الأول فجوابه : أن الطريق لمعرفة الإعداد الشخصي هو الظهور ، فمتى ما كان الكلام الثاني للمتكلم ظاهرا في أنه قد أعده مفسرا للأول أخذ بذلك الظهور ، وحكم بإعداد الكلام الثاني مفسرا للأول . ومثال ذلك : ما لو قال المتكلم في كلامه الثاني : إني أقصد من كلامي الأول كذا . وأما فيما يخص السؤال الثاني فجوابه : إن الطريق لمعرفة استقرار بناء العرف الأول على عد الكلام الثاني مفسرا هو وصل الكلام الثاني بالكلام الأول ، فإذا ارتفع التعارض بينهما ولم يبق ظهور الكلام الأول عد العرف الكلام الثاني في صورة انفصاله قرينة مفسرة للكلام الأول - إذ من لوازم القرينة أنها تزيل ظهور الكلام في صورة اتصالها به - وكان الحجة عندهم الكلام الثاني دون الكلام الأول ، حيث أن الكلام الثاني قرينة والكلام الأول ذو القرينة ، والعرف يثبت الحجية للقرينة دون ذي القرينة . فمثلا : لو قال المتكلم : أكرم العلماء وبعد مدة ذكر كلاما منفصلا قال فيه : لا تكرم العلماء الفساق ، فإن هذا الكلام الثاني لو وصل بالأول وقيل هكذا : أكرم العلماء ولا تكرم العلماء الفساق لم ير بين الكلامين معارضة بسبب ارتفاع ظهور الكلام الأول في الاستعمال في العموم ، وهذا بخلاف ما لو قيل : صل ثم قيل منفصلا : لا تصل ، فإن الكلام الثاني لو وصل بالكلام الأول لم يرتفع التعارض بينهما وكان ظهور الكلام الأول في وجوب الصلاة باقيا .