إن موضوعا يحتاج إلى درس ستة أشهر - وإن كان فيه نوع من المبالغة - كم يحتاج إلى البسط في البيان ، بينما إن الشيخ في كتبه لم يوفه حقه من البيان ، إلّا بعض الشيء في التعادل والتراجيح ، وبعض اللقطات المتفرقة في غضون كتبه . ولذا بقي الموضوع متأرجحا في كتب الأصوليين من بعده ، وإن كان مقصودهم ومقصوده أصبح واضحا عند أهل العلم في العصور المتأخرة .
ولا يسع هذا المختصر شرح هذا الأمر شرحا كافيا ، وإنما نكتفي بالإشارة إلى خلاصة ما توصلنا إليه من فهم معنى الحكومة ، وفهم معنى أخيها ( الورود ) قدر الإمكان ، فنقول :
1 - الحكومة : إن الذي نفهمه من مقصودهم في الحكومة هو : أن يقدم أحد الدليلين على الآخر تقديم سيطرة وقهر من ناحية أدائية ، ولذا سميت بالحكومة ، فيكون تقديم الدليل الحاكم على المحكوم ليس من ناحية السند ولا من ناحية الحجية ، بل هما على ما هما عليه من الحجية بعد التقديم ، أي : إنهما بحسب لسانهما وأدائهما لا يتكاذبان في مدلولهما ، فلا يتعارضان . وإنما التقديم - كما قلنا - من ناحية أدائية بحسب لسانهما ، ولكن لا من جهة التخصيص ولا من جهة ( الورود ) الآتي معناه .
فأي تقديم للدليل على الآخر بهذه القيود فهو يسمى ( حكومة ) .
وهذا في الحقيقة هو الضابط لها ، فلذلك وجب توضيح الفرق بينهما وبين التخصيص من جهة ، ثم بينها وبين الورود من جهة أخرى ، ليتضح معناها بعض الوضوح .
أما الفرق بينها وبين ( التخصيص ) فنقول : إن التخصيص ليكون تخصيصا لا بد أن يفرض فيه الدليل الخاص منافيا في مدلوله للعام ، ولأجل هذا يكونان متعارضين متكاذبين بحسب لسانهما بالنسبة إلى موضوع الخاص ، غير أنه لما كان الخاص أظهر من العام فيجب أن يقدم عليه لبناء العقلاء على العمل بالخاص ، فيستكشف منه : إن المتكلم الحكيم لم يرد العموم من العام وإن كان ظاهر اللفظ العموم والشمول ، لحكم العقل بقبح ذلك من الحكيم مع فرض العمل بالخاص عند أهل المحاورة عند العقلاء .
وعليه ، فالتخصيص عبارة عن الحكم بسلب حكم العام عن الخاص وإخراج الخاص عن عموم العام ، مع فرض بقاء عموم لفظ العام شاملا للخاص بحسب لسانه وظهوره الذاتي .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 298
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٢٩٨