بينهما ؛ بأن يمتثل إما هذا أو ذاك ، وهنا يقع التزاحم بين الحكمين ، وطبعا إنما يفرض ذلك فيما إذا كان الحكمان إلزاميين .
ومن أجل هذا قلنا في الشرط الخامس من شروط التعارض : إن امتناع اجتماع الحكمين في التحقق إذا كان في مقام التشريع دخل الدليلان في باب التعارض لأنهما حينئذ يتكاذبان . أما إذا كان الامتناع في مقام الامتثال : دخلا في باب التزاحم إذ لا تكاذب حينئذ بين الدليلين . وهذا هو الفرق الحقيقي بين باب التعارض وباب التزاحم في أي مورد يفرض .
وينبغي ألا يغيب عن بال الطالب : أنه حينما ذكرنا العامين من وجه فقط في مقام التفرقة بين البابين - كما تقدم في الجزء الثاني - لم نذكره لأجل اختصاص البابين بالعامين من وجه ، بل لأن العامين من وجه موضع شبهة عدم التفرقة بين البابين ثم بينهما وبين باب اجتماع الأمر والنهي . وقد سبق تفصيل ذلك هناك فراجع .
وعليه ، فالضابط في التفرقة بين البابين - كما أشرنا إليه أكثر من مرة - هو أن الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع ، ويكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع .
وفي تعارض الأدلّة قواعد للترجيح ستأتي ، وقد عقد هذا الباب لأجلها وينحصر الترجيح فيها بقوة السند أو الدلالة .
وأما التزاحم فله قواعد أخرى تتصل بالحكم نفسه ولا ترتبط بالسند أو الدلالة ، ولا ينبغي أن يخلو كتابنا من الإشارة إليها ، وهذه خير مناسبة لذكرها ، فنقول :
4 - تعادل وتراجيح المتزاحمين :
لا شك في : أنه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية ، فإن الحكم فيهما هو التخيير ، وهذا أمر محل اتفاق ، وإن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنه يقتضي التساقط أو التخيير على ما سيأتي .
وفي الحقيقة : أن هذا التخيير إنما يحكم به العقل ، والمراد به : العقل العملي . بيان ذلك : إنه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين وعدم جواز تركهما معا ، ولا مرجح لأحدهما على الآخر حسب الفرض ويستحيل الترجيح بلا مرجح ، فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلف نفسه ، إذ يستحيل بقاء التكليف الفعلي في كل منهما ، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا ، وهذا الحكم العقلي مما تطابقت عليه آراء العقلاء .