3 - الفرق بين التعارض والتزاحم ( 1 ) :
تقدم في 2 / 284 بيان الحق الذي ينبغي أن يعول عليه في سر التفرقة بين بابي التعارض والتزاحم ، ثم بينهما من باب اجتماع الأمر والنهي .
شرح
وهو ما ذكرناه من الدور . وعليه : فيلزم التعارض بين الحكمين ويلزم تطبيق أحكام التعارض - التي هي تقديم الأقوى سندا أو دلالة - لعلمنا بكذب أحد التوقفين ، إذ ثبوت كلا التوقفين مستحيل للزوم الدور ، فيكون أحد التوقفين كاذبا ، إن قلت : ما هو الفرق بين هذا الشكل والشكل الأول ؟
قلت : إنه في الشكل الأول كان كل واحد منهما موقوفا على عدم ثبوت الآخر لولا المعارض ، فالحج لولا المعارضة بالنذر إذا كان وجوبه ثابتا فلا وجوب للوفاء بالنذر ، وهكذا النذر لولا المعارضة بالحج إذا كان وجوب الوفاء به ثابتا لم يكن للحج وجوب . ومثل هذا الورود من الجانبين معقول ويرتفع كلا الحكمين ، ولا يكون هذا ولا ذاك ثابتا ، لأن كل واحد منهما حيث أنه ثابت في نفسه لولا المعارضة بالآخر فيكون الموضوع لارتفاع كل واحد منهما محققا فيرتفعان معا .
وهذا بخلافه في هذا الشكل فإن الموضوع لارتفاع كل واحد منهما ليس هو ثبوته في نفسه ولولا المعارض بل هو ثبوته بالفعل ، فإذا كان الأول ثابتا بالفعل - أي : كان ثابتا حتى بعد المعارضة لا بقطع النظر عنها - فالثاني مرتفع ، وإذا كان الثاني ثابتا بالفعل فالأول مرتفع ، وحيث أن كل واحد منهما لا يمكن أن يكون ثابتا بالفعل فتحصل المعارضة للعلم بعدم إمكان ثبوت كلا التوقفين .
( 1 ) الفرق بين التعارض والتزاحم : التزاحم هو : التنافي بين الحكمين بسبب عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في عالم الامتثال ، أي : يعجز المكلف عن امتثال الحكمين معا ، ومثاله : كأن يقول الله « عزّ وجلّ » : « أكرم زيدا ، وأكرم بكرا » ويعجز المكلف عن إكرام الاثنين معا لسبب من الأسباب لا علاقة له بصاحب الشريعة ؛ بأن لا يوجد تعاند بين الوجوبين في عالم التشريع . وفي مقام الامتثال في صورة التزاحم لها عدة صور .
الصورة الأولى : أن يكون بين المتزاحمين تعادل وتكافؤ . فالحكم فيهما التخيير بالاتفاق . وسيأتي بيانه في المتن .
الصورة الثانية : إذا كان أحد المتزاحمين أهم فيرجح في هذه الصورة الأهم . وذكر النائيني خمسة أسباب توجب الاهتمام بأحد المتزاحمين دون الآخر وهي ما يلي :
« 1 - أن يكون أحد الواجبين مضيقا والآخر موسعا ، فيقدم الأول لأنه يفوت بفوات وقته ، ويؤخر الثاني لإمكان أدائه في الوقت المحدد له ! وهكذا ذكر النائيني برواية الخراساني ، وهو خارج عن باب التزاحم حيث يستطيع المكلف ويقدر على الواجبين معا كل في وقته ، والمفروض : أن المتزاحمين عجز المكلف عنهما وقدرته على واحد منهما فقط .
2 - أن يكون أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية ، وهي ما علّق الواجب عليها بنص دليله مثل :
من استطاع فليحج ، والثاني مشروط بالقدرة العقلية ، وهي مجرد الطاقة على الفعل بلا عسر وحرج ، فيقدم المشروط بالقدرة العقلية ، ومثال ذلك : أن يستطيع المكلف الحج ذهابا وإيابا ، وقبل السير والسفر