تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
4 - أن يكون كل من الدليلين واجدا لشرائط الحجية ، بمعنى : أن كلا منهما لو خلي ونفسه ولم يحصل ما يعارضه لكان حجة يجب العمل بموجبه ، وإن كان أحدهما لا على التعيين بمجرد التعارض يسقط عن الحجية بالفعل . والسر في ذلك واضح ، فإنه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجية في نفسه لا يصلح أن يكون مكذبا لما هو حجة ، وإن كان منافيا له في مدلوله فلا يكون معارضا له ، لما قلنا من أن التعارض وصف للدالين بما دالان في مقام الإثبات ، وإذا لا إثبات فيما هو غير حجة فلا يكذب ما فيه الإثبات . إذا : لا تعارض بين الحجة واللاحجة ، كما لا تعارض بين اللاحجتين . ومن هنا يتضح : إنه لو كان هناك خبر - مثلا - غير واجد لشرائط الحجة واشتبه بما هو واجد لها ، فإن الخبرين لا يدخلان في باب التعارض ، فلا تجري عليهما أحكامه وقواعده ، وإن كان من جهة العلم بكذب أحدهما حالهما حال المتعارضين .
شرح
كما أن بالإمكان أن يصبح مجعولاهما فعليين معا ، وذلك فيما إذا ترك المكلف كلا الضدين ، فيكون كل من المجعولين فعليا لتحقق قيده ، ولكن التنافي واقع بين امتثاليهما إذ لا يمكن للمكلف أن يمتثلهما معا ، ويتلخص من ذلك : أن التنافي وعدم إمكان الاجتماع تارة : بين نفس الجعلين ، وأخرى : بين المجعولين ، وثالثة : بين الامتثالين . وإذا اتضحت هاتان المقدمتان فنقول : إذا ورد دليلان على حكمين ، وحصل التنافي فإن كان التنافي بين الجعلين لهذين الحكمين فهو تناف بين مدلولي الدليلين ؛ لما عرفت في المقدمة الأولى من أن مدلول الدليل هو الجعل ، ويتحقق التعارض بين الدليلين حينئذ لأن كلا منهما ينفي مدلول الدليل الآخر ، وإن لم يكن هناك تناف بين الجعلين ، بل كان بين المجعولين أو بين الامتثالين ، فلا يرتبط هذا التنافي بمدلول الدليل ؛ لما عرفت من أن فعلية المجعول - فضلا عن مقام امتثاله - ليست مدلولة للدليل ، فلا يحصل التعارض بين الدليلين لعدم التنافي بين مدلوليهما ، وتسمى حالات التنافي بين المجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين : بالورود ، ويعبر عن الدليل الذي يكون المجعول فيه نافيا لموضوع المجعول في الدليل الآخر : بالدليل الوارد ، ويعبر عن الدليل الآخر بالمورود . وتسمى حالات التنافي بين الامتثالين مع عدم التنافي بين الجعلين والمجعولين : بالتزاحم ، ومن هنا نعرف أن حالات الورود وحالات التزاحم خارجة عن نطاق التعارض بين الأدلّة ، ولا ينطبق عليها أحكام هذا التعارض ، بل حالات الورود يتقدم فيها الوارد على المورود دائما ، وحالات التزاحم يتقدم فيها الأهم على الأقل أهمية كما تقدم في مباحث الدليل العقلي . ويتلخص من ذلك : كله أن التعارض بين الدليلين هو التنافي بين مدلولي هذين الدليلين الحاصل من أجل التضاد بين الجعلين المفادين بهما .