وعلى هذا ، يمكن تحديد الضابط للتعارض بأن يقال :
الضابط في التعارض : امتناع اجتماع مدلوليهما في الوعاء المناسب لهما إما من ناحية تكوينية أو من ناحية تشريعية .
أو يقال بعبارة جامعة : الضابط في التعارض : تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر .
ومن هنا يعلم : إن التعارض ليس وصفا للمدلولين كما قيل ، بل المدلولان يوصفان بأنهما متنافيان لا متعارضان ، وإنما التعارض وصف للدليلين بما هما دليلان على أمرين متنافيين لا يجتمعان ، لأن امتناع صدق الدليلين معا وتكاذبهما إنما ينشأ من تنافي المدلولين .
ولأجل هذا قال صاحب الكفاية : « التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة ومقام الإثبات » . فحصر التعارض في مقام الإثبات ومرحلة الدلالة ( 1 ) .
شرح
( 1 ) قال السيد محمد باقر الصدر « قدّس سرّه » : إن التعارض بين دليلين لفظيين عبارة عن التنافي بين مدلولي الدليلين ، على نحو يعلم بأن المدلولين لا يمكن أن يكونا ثابتين في الواقع معا ، ولأجل تحديد مركز هذا التنافي نقدم مقدمتين :
الأولى : يجب أن نستذكر فيها ما تقدم من أن الحكم ينحل إلى جعل ومجعول ، وأن الجعل ثابت بتشريع المولى للحكم ، وإن المجعول لا يثبت إلّا عند تحقق موضوعه وقيوده خارجا ، ومن الواضح : أن الدليل الشرعي اللفظي متكفل لبيان الجعل لا لبيان المجعول ، لأن المجعول يختلف من فرد إلى آخر فهو موجود في حق هذا ، وغير موجود في حق ذاك تبعا لتواجد القيود ، فقوله مثلا :لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًامدلوله : جعل وجوب الحج على المستطيع لا تحقق الوجوب المجعول ، لأن هذا تابع لوجود الاستطاعة ، ولا نظر للمولى إلى ذلك ، فمدلول الدليل دائما هو الجعل لا المجعول .
والثانية : أن التنافي قد يكون بين جعلين ، وقد يكون بين مجعولين مع عدم التنافي بين الجعلين ، ومثال الأول : جعل وجوب الحج على المستطيع ، وجعل حرمة الحج على المستطيع ، فإن التنافي هنا بين الجعلين ، لأن الأحكام التكليفية متضادة كما تقدم . ومثال الثاني : جعل وجوب الوضوء على الواجد للماء وجعل وجوب التيمم على الفاقد له ، فإن الجعلين هنا لا تنافي بينهما إذ يمكن صدورهما معا من الشارع ، ولكن المجعولين لا يمكن فعليتهما معا لأن المكلف إن كان واجدا للماء ثبت المجعول الأول عليه ، وإلّا ثبت المجعول الثاني ، ولا يمكن ثبوت المجعولين معا على مكلف واحد في حالة واحدة . وقد لا يوجد تناف بين الجعلين ولا بين المجعولين ، ولكن التنافي في مرحلة امتثال الحكمين المجعولين بمعنى :
إنه لا يمكن امتثالهما معا ، وذلك كما في حالات الأمر بالضدين على وجه الترتب ، بنحو يكون الأمر بكل من الضدين - مثلا - مقيدا بترك الضد الآخر ، فإن بالإمكان صدور جعلين لهذين الأمرين معا ،