تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
على أنه قد أوضحنا فيما سبق في الدليل العقلي : إن الأحكام وملاكاتها لا يستقل العقل بإدراكها ابتداء ، أي : ليس من الممكن للعقول أن تنالها ابتداء من دون السماع من مبلغ الأحكام إلّا بالملازمة العقلية . وشأنها في ذلك شأن جميع المجعولات كاللغات والإشارات والعلامات ونحوها ، فإنه لا معنى للقول بأنها تعلم من طريق عقلي مجرد ، سواء كان من طريق بديهي أو نظري .
شرح
بينما يذهب الأستاذ معروف الدواليبي إلى إدخالها ضمن ما شهد له أصل كلي من الشريعة يقول : - وهو يتحدث عن الاستصلاح - : « الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبني على المصلحة ، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نص عليها ، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس بها ، وإنما بني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامة برهنت على أن كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء ، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ،وقوله « عليه السلام » : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » . س : ما المراد من سد الذرائع ؟ الذريعة لغة واصطلاحا : الذريعة لها مدلولان : لغوي واصطلاحي ، فهي في اللغة : الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء . وفي الاصطلاح : وقعت موضعا لاختلافهم في مقام التحديد ، فالشاطبي يحددها ب « التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة » . ويرد على هذين التعريفين إنهما غير جامعين لاقتصارهما على وسائل الأمور المحرمة ، بينما تعم الذريعة - كدليل - جميع الوسائل سواء كانت وسائل لمحرمات أو واجبات أم غيرهما من الأحكام ، يقول القرافي : « الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ، وتكره وتندب وتباح » . وقريب منه قول سلام : « الذرائع إذا كانت تفضي إلى مقصد هو قربة وخير ، أخذت الوسيلة حكم المقصد ، وإذا كانت تفضي إلى مقصد ممنوع هو مفسدة ، أخذت حكمه ، ولذا فإن الإمام مالكا يرى أنه يجب فتح الذرائع في الحالة الأولى لأن المصلحة مطلوبة ، وسدها في الحالة الثانية لأن المفاسد ممنوعة » . ولعل أقرب تعاريفها إلى السلامة ما ذكره ابن القيم من أن « الذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء » وهو مأخوذ من مفهومها اللغوي ، إلّا أن تعميم الشيء فيه يجعله غير مانع من الغير لدخول جميع الوسائل المفضية إلى غير أحكام الشريعة ، وهو ما لا يتصل بحثه بوظيفة الأصولي . فالأنسب تعريفها ب : « الوسيلة المفضية إلى الأحكام الخمسة » ليشمل بحثها كل ما يتصل بالذريعة وأحكامها من أبحاث ، سواء أفضت إلى مصالح أو مفاسد أم غيرها ، على أن الذي ركز عليه الباحثون من أقسامها هو الذريعة المفضية إلى مفسدة وخصوها بأكثر أحاديثهم . أقسام الذريعة : وقد قسمها ابن القيم إلى أقسام أربعة : 1 - الوسائل الموضوعة للإفضاء إلى المفسدة ، ومثل لها : بشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر ، والزنا المفضي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش ، وليس لهذه الأفعال ظواهر غير الإفضاء إلى المفسدة .