ولو صح للعقل هذا الأمر لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل ونصب الأئمة ، إذ يكون حينئذ كل ذي عقل متمكنا بنفسه من معرفة أحكام الله تعالى ، ويصبح كل مجتهد نبيا أو إماما . ومن هنا تعرف السر في إصرار أصحاب الرأي على قولهم بأن كل مجتهد مصيب ، وقد اعترف الإمام الغزالي ( 1 ) : بأنه لا يمكن إثبات حجية القياس إلّا بتصويب كل مجتهد ، وزاد على ذلك قوله : بأن المجتهد وإن خالف النص فهو مصيب وإن الخطأ غير ممكن في حقه .
ومن أجل ما ذكرناه من عدم إمكان إثبات حجية مثل هذه الأدلّة رأينا الاكتفاء بذلك عن شرح هذه الأدلّة ومرادهم منها ومناقشة أدلتهم . ونحيل الطلاب على محاضرات ( مدخل الفقه المقارن ) التي ألقاها أستاذ المادة في كلية الفقه الأخ السيد محمّد تقي الحكيم ، فإن فيها الكفاية .
* * *
شرح
2 - الوسائل الموضوعة للأمور المباحة ، إلّا أن فاعلها قصد بها التوسل إلى المفسدة ، ومثالها : فعل من يعقد النكاح قاصدا به التحليل ، أو يعقد البيع قاصدا به الربا .
3 - الوسائل الموضوعة للأمور المباحة ، والتي لم يقصد التوسل بها إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالبا ومفسدتها أرجح من مصلحتها ، ومثالها : مسبة آلهة المشركين بين ظهرانيهم فيسبوا الله عدوا ، وتزين المتوفى عنها زوجها في زمن عدتها .
4 - الوسائل الموضوعة للمباح ، وقد تفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها ، ومثلوا لها :
بالنظر إلى المخطوبة والمشهود عليها ، وكلمة الحق عند سلطان جائر .
حكمها : أما حكمها فقد اختلفوا فيه ، فالذي عليه ابن القيم وجماعة : أن الوسيلة تأخذ حكمها مما تنتهي إليه ، وقرب ذلك بقوله : « لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلّا بالأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها ، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها ، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود ، وكلاهما مقصود ، لكنه مقصود قصد الغايات ، وهي مقصودة قصد الوسائل .
فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه ، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن تقرب حماه ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه ، لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به ، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء .
إلّا أن رأي ابن القيم تحريم جميع تلك الأقسام التي ذكرها للوسيلة عدا القسم الرابع ، وهو ما كان موضوعا للمباح ، وقد يفضي إلى مفسدة ، ومصلحته أرجع من مفسدته » . [ الأصول العامة للفقه المقارن . للعلامة محمّد تقي الحكيم ] .
( 1 ) المستصفى : 2 / 57 .