ولا يمكن رفع هذه الاحتمالات إلّا بورود النص من الشارع ، والاحتمالات هي :
1 - احتمال أن يكون الحكم في الأصل معللا عند الله بعلة أخرى غير ما ظنه القائس ، بل يحتمل على مذهب هؤلاء ( 1 ) : ألا يكون الحكم معللا عند الله بشيء أصلا ؛ لأنهم لا يرون الأحكام الشرعية معللة بالمصالح والمفاسد ، وهذا من مفارقات آرائهم فإنهم إذا كانوا لا يرون تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد فكيف يؤكدون تعليل الحكم الشرعي في المقيس عليه بالعلة التي يظنونها ، بل كيف يحصل لهم الظن بالتعليل ؟
2 - احتمال أن هناك وصفا آخر ينضم إلى ما ظنه القائس علة بأن يكون المجموع منهما هو العلة للحكم ، لو فرض أن القائس أصاب في أصل التعليل ( 2 ) .
3 - احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئا أجنبيا إلى العلة الحقيقية لم يكن له دخل في الحكم في المقيس عليه .
4 - احتمال أن يكون ما ظنه القائس علة - إن كان مصيبا في ظنه - ليس هو الوصف المجرد بل هو بما هو مضاف إلى موضوعه : « أعني : الأصل » لخصوصية فيه ، مثال ذلك :
لو علم بأن الجهل بالثمن علة موجبة شرعا في إفساد البيع ، وأراد أن يقيس على البيع عقد النكاح إذا كان المهر فيه مجهولا ، فإنه يحتمل أن يكون الجهل بالعوض الموجب لفساد البيع هو الجهل بخصوص العوض في البيع ، لا مطلق الجهل بالعوض من حيث هو جهل بالعوض ليسري الحكم إلى كل معاوضة ، حتى في مثل الصلح المعاوضي والنكاح باعتبار أنه يتضمن معنى المعاوضة عن البضع .
5 - احتمال أن تكون العلة الحقيقية لحكم المقيس عليه غير موجودة أو غير متوفرة بخصوصياتها في المقيس .
وكل هذه الاحتمالات لا بد من دفعها ليحصل لنا العلم بالنتيجة ، ولا يدفعها إلّا الأدلّة السمعية الواردة عن الشارع .
* * *
شرح
( 1 ) أي : الأشاعرة .
( 2 ) أي : افتراض أن القياس أصاب جزء العلة فالجزء الآخر يبقى محتملا أو مجهولا عند القائس ، وعليه لا يمكن تعدية الحكم إلى الفرع .