احتمال خطأ المتكلم ، أو غفلته ، أو تعمده للإيهام لحكمة ، أو نصبه لقرينة تخفى على الغير أو لا تخفى . ثم لا يكون الظاهر حجة إلّا إذا كان البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذه الاحتمالات ، أي : عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر .
وعليه : فالنفي الادعائي العملي للاحتمالات هو المقوم لحجية الظهور ، لا نفي الاحتمالات عقلا من جهة استحالة تحقق المحتمل ، فإنه إذا كانت الاحتمالات مستحيلة التحقق لا تكون محتملات ، ويكون الكلام حينئذ نصا لا نحتاج في الأخذ به إلى فرض بناء العقلاء على إلغاء الاحتمالات .
وإذا اتضح ذلك نستطيع أن نعرف إن هذا التوجيه المذكور للقول بالتفصيل في حجية الظهور لا وجه له ، فإنه أكثر ما يثبت به : أن نصب القرينة الخفية - بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه - أمر محتمل غير مستحيل التحقق ؛ لأنه لا يقبح من الحكيم أن يصنع ذلك ، فالقرينة محتملة عقلا . ولكن هذا لا يمنع من أن يكون البناء العملي من العقلاء على إلغاء مثل هذا الاحتمال ، سواء أمكن أن يعثر على هذه القرينة بعد الفحص - لو كانت - أو لا يمكن .
4 - ثم على تقدير تسليم الفرق في حجية الظهور بين المقصود بالإفهام وبين غيره ، فالشأن كل الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز والسنة .
أما الكتاب العزيز ، فإنه من المعلوم لنا : أن التكاليف التي يتضمنها عامة لجميع المكلفين ولا اختصاص لها بالمشافهين . وبمقتضى عمومها يجب ألا تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين ، بل لا شك في : إن المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم .
وأما السنة ، فإن الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمن تكاليف عامة لجميع المكلفين أو المقصود بها إفهام الجميع حتى غير المشافهين ، وقلما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على أسئلة خاصة . وإذا قصد ذلك فإن التكليف فيها لا بد أن يعم غير السائل بقاعدة الاشتراك ( 1 ) . ومقتضى الأمانة في النقل وعدم الخيانة من الراوي المفروض فيه ذلك أن ينبه على كل قرينة دخيلة في
شرح
( 1 ) يريد أن يقول المصنف : بأننا حتى لو قلنا بأن الظواهر ليست بحجة في حق من لم يقصد بالإفهام ، ولكن بحكم قاعدة الاشتراك يمكن أن تثبت في حقنا من التكاليف ما يثبت في حق المقصودين بالإفهام .