تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
معذرة للمكلف إذا عمل بها وأخطأ الواقع ، ويحتج بها المولى على المكلف إذا خالفها ولم يعمل بها ففوّت الواقع المطلوب . ولأجل هذا جعلنا باب ( الأصول العملية ) بابا آخر مقابل باب ( مباحث الحجة ) . وقد أشير في تعريف الأمارة إلى خروج الأصول العملية بقولهم : « يثبت متعلّقه » ؛ لأن الأصول العملية لا تثبت متعلّقاتها ، لأنّه ليس لسانها لسان إثبات الواقع والحكاية عنه ، وإنما هي في حقيقتها مرجع للمكلف في مقام العمل عند الحيرة والشك في الواقع وعدم ثبوت حجة عليه . وغاية شأنها أنها تكون معذرة للمكلّف . ومن هنا اختلفوا في ( الاستصحاب ) أنه أمارة أو أصل ، باعتبار أن له شأن الحكاية عن الواقع وإحرازه في الجملة ، لأن اليقين السابق غالبا ما يورث الظن ببقاء المتيقن في الزمان اللاحق ، ولأن حقيقته - كما سيأتي في موضعه - البناء على اليقين السابق بعد الشك كأنّ المتيقن السابق لم يزل ولم يشك في بقائه . ولأجل هذا سمّي الاستصحاب عند من يراه أصلا : ( أصلا محرزا ) . فمن لاحظ في الاستصحاب جهة ما له من إحراز وأنه يوجب الظن واعتبر حجيّته من هذه الجهة عدّه من الأمارات ، ومن لاحظ فيه أن الشارع إنما جعله مرجعا للمكلف عند الشك والحيرة واعتبر حجيته من جهة دلالة الأخبار عليه عدّه من جملة الأصول . وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح ذلك في محله مع بيان الحق فيه .

6 - المناط في إثبات حجية الأمارة :

ممّا يجب أن نعرفه - قبل البحث والتفتيش عن الأمارات التي هي حجة - المناط في إثبات حجية الأمارة وأنه بأيّ شيء يثبت لنا أنها حجة يعوّل عليها . وهذا هو أهم شيء يجب معرفته قبل الدخول في المقصود ، فنقول : إنه لا شك في أن الظن بما هو ظن لا يصح أن يكون هو المناط في حجية الأمارة ، ولا يجوز أن يعوّل عليه في إثبات الواقع ، لقوله تعالى :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ، *
وقد ذمّ الله تعالى في كتابه المجيد من يتّبع الظنّ بما هو ظنّ كقوله :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ *
( 1 ) ، وقال تعالى :
قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ .
شرح
( 1 ) الخرص بمعنى : التخمين .