والالتفات إلى حقيقتها يستطيع إنكارها إلّا السوفسطائيين ؛ الذين ينكرون الوثوق بكل معرفة حتى المحسوسات .
ولا أظن أن هذه القضايا العقلية هي مقصود من أنكر حجيتها من الأخباريين وغيرهم ، وإن أوهمت بعض عباراتهم لعدم التمييز بين نقاط البحث .
وإذا عرفت ذلك تعرف أن الخلط في المقصود من إدراك العقل النظري ، وعدم التمييز بين ما يدركه من الأحكام ابتداء وما يدركه منها بتوسط الملازمة هو سبب المحنة في هذا الاختلاف وسبب المغالطة التي وقع فيها بعضهم ، إذ نفى مطلقا إدراك العقل لحكم الشارع وحجيته ، قائلا : إن أحكام الله توقيفية للحكم ابتداء وبالاستقلال ، ولا يصلح لنفي إدراكه للملازمة المستتبع لعلمه بثبوت اللازم وهو الحكم .
* * *
3 - هذا كله إذا أريد من العقل : ( العقل النظري ) .
وأما لو أريد به ( العقل العملي ) ، فكذلك لا يمكن أن يستقل في إدراك أن هذا ينبغي فعله عند الشارع أو لا ينبغي ، بل لا معنى لذلك ، لأن هذا الإدراك وظيفة العقل النظري ، باعتبار أن كون هذا الفعل ينبغي فعله عند الشارع بالخصوص أو لا ينبغي من الأمور الواقعية التي تدرك بالعقل النظري لا بالعقل العملي ، وإنما كل ما للعقل العملي من وظيفة هو أن يستقل بإدراك أن هذا الفعل في نفسه مما ينبغي فعله أو لا ينبغي ، مع قطع النظر عن نسبته إلى الشارع المقدس أو إلى أي حاكم آخر ( 1 ) .
شرح
( 1 ) قال السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » في حلقته الثالثة الجزء الأول ، ص 424 ( بتصرف ) :
وبالتحليل نلاحظ : رجوع الحكم العملي إلى الحكم النظري لأن الانبغاء وعدم الانبغاء أمر واقعي .
وبعبارة أخرى : نلاحظ رجوع الحكم العملي إلى الحكم النظري لأنه إدراك لصفة واقعية في الفعل وهي أنه ينبغي أن يقع وهو الحسن أو لا ينبغي وهو القبح . وعلى هذا نعرف أن الحسن والقبح صفتان واقعيتان يدركهما العقل ، كما يدرك سائر الصفات والأمور الواقعية ، غير أن الحسن والقبح يختلفان عنها في اقتضائهما بذاتهما جريا عمليا معينا - أي : أن الحسن أو القبح بذاتهما متعلقان بالعمل ، وناظران إلى عمل معين ، أما الترك أو الفعل فمن دون العمل ليس لهما معنى - خلافا للأمور الواقعية الأخرى ، مثل : استحالة اجتماع النقيضين فهذه بذاتها غير ناظرين إلى العمل أو إدراك المصلحة أو المفسدة . فهذه بذاتها غير ناظرة إلى العمل - .