تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
1 - إنه قد تقدم ( ج 1 ، ص 374 ) : أن العقل ينقسم إلى عقل نظري وعقل عملي . وهذا التقسيم باعتبار ما يتعلق به الإدراك : فالمراد من ( العقل النظري ) : إدراك ما ينبغي أن يعلم ، أي : إدراك الأمور التي لها واقع ( 1 ) . والمراد من ( العقل العملي ) : إدراك ما ينبغي أن يعمل ، أي : حكمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله . - إنه ما المراد من العقل الذي نقول إنه حجة من هذين القسمين ؟ إن كان المراد ( العقل النظري ) : فلا يمكن أن يستقل بإدراك الأحكام الشرعية ابتداء ، أي : لا طريق للعقل أن يعلم من دون الاستعانة بالملازمة أن هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع . والسر في ذلك واضح ، لأن أحكام الله توقيفية فلا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام المنصوب من قبله تعالى لتبليغها ، وضرورة إن أحكام الله ليست من القضايا الأولية وليست مما تنالها المشاهدة بالبصر ونحوه من الحواس الظاهرة بل الباطنة ، وليست أيضا مما تنالها التجربة والحدس . وإذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلغها ؟ ! وشأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر كاللغات والخطوط والرموز ونحوها . وكذلك ملاكات الأحكام ، كنفس الأحكام ، لا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام ؛ لأنه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام الله وملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده ( 2 ) ، والظن لا يغني عن الحق شيئا . وعلى هذا ، فمن نفى حجية العقل - وقال : إن الأحكام سمعية لا تدرك بالعقول - فهو على حق إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه ، وهو نفي استقلال العقل النظري من إدراك الأحكام وملاكاتها . ولعل بعض منكري الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع قصد هذا المعنى كصاحب الفصول وجماعة من الأخباريين ، ولكن خانه التعبير عن مقصوده . وإذا كان هذا مرادهم فهو أجنبي عما نحن بصدده من كون الدليل العقلي حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي .
شرح
( 1 ) أي ما يكون ثابتا في الواقع مثل : استحالة اجتماع النقيضين . ( 2 ) راجع ما تقدم ج 1 ، ص 377 .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 187 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني