1 - إنه قد تقدم ( ج 1 ، ص 374 ) : أن العقل ينقسم إلى عقل نظري وعقل عملي . وهذا التقسيم باعتبار ما يتعلق به الإدراك :
فالمراد من ( العقل النظري ) : إدراك ما ينبغي أن يعلم ، أي : إدراك الأمور التي لها واقع ( 1 ) .
والمراد من ( العقل العملي ) : إدراك ما ينبغي أن يعمل ، أي : حكمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله .
- إنه ما المراد من العقل الذي نقول إنه حجة من هذين القسمين ؟
إن كان المراد ( العقل النظري ) : فلا يمكن أن يستقل بإدراك الأحكام الشرعية ابتداء ، أي : لا طريق للعقل أن يعلم من دون الاستعانة بالملازمة أن هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع . والسر في ذلك واضح ، لأن أحكام الله توقيفية فلا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام المنصوب من قبله تعالى لتبليغها ، وضرورة إن أحكام الله ليست من القضايا الأولية وليست مما تنالها المشاهدة بالبصر ونحوه من الحواس الظاهرة بل الباطنة ، وليست أيضا مما تنالها التجربة والحدس . وإذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلغها ؟ ! وشأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر كاللغات والخطوط والرموز ونحوها .
وكذلك ملاكات الأحكام ، كنفس الأحكام ، لا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام ؛ لأنه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام الله وملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده ( 2 ) ، والظن لا يغني عن الحق شيئا .
وعلى هذا ، فمن نفى حجية العقل - وقال : إن الأحكام سمعية لا تدرك بالعقول - فهو على حق إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه ، وهو نفي استقلال العقل النظري من إدراك الأحكام وملاكاتها . ولعل بعض منكري الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع قصد هذا المعنى كصاحب الفصول وجماعة من الأخباريين ، ولكن خانه التعبير عن مقصوده . وإذا كان هذا مرادهم فهو أجنبي عما نحن بصدده من كون الدليل العقلي حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي .
شرح
( 1 ) أي ما يكون ثابتا في الواقع مثل : استحالة اجتماع النقيضين .
( 2 ) راجع ما تقدم ج 1 ، ص 377 .