عليه ( 1 ) ، والأخذ بالأقل عند الترديد بينه وبين الأكثر ، والاستصحاب .
وهكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلفين ، في حين إن الكتب الدراسية المتداولة ، مثل المعالم والرسائل والكفاية ، لم تبحث هذا الموضوع ولم تعرف الدليل العقلي ، ولم تذكر مصاديقه ، إلّا إشارات عابرة في ثنايا الكتاب .
ومن تصريحات المحقق والشهيد الأول يظهر : إنه لم تتجلّ فكرة الدليل العقلي في تلك العصور ، فوسعوا في مفهومه ( 2 ) إلى ما يشمل الظواهر اللفظية مثل لحن الخطاب ، وهو أن تدل قرينة عقلية على حذف لفظ ( 3 ) ، وفحوى الخطاب ، ويعنون به مفهوم الموافقة ( 4 ) ، ودليل الخطاب ، ويعنون به مفهوم المخالفة ( 5 ) . وهذه كلها تدخل
شرح
( 1 ) وإنما يحكم به العقل كحكمه على بعض الضروريات والبديهيات الذي لا دليل عليها إلّا حكم العقل .
( 2 ) أي : في مفهوم الدليل العقلي .
( 3 ) مثل :سْئَلِ الْقَرْيَةَ :أي : اسأل أهل القرية ، فإن صحة المعنى تتوقف على تقدير الأهل ، لأن السؤال من القرية لا يصح عقلا ، وحجية هذا القسم ظاهرة إذا كان الموقوف عليه مقطوعا به .
( 4 ) ومثاله : قوله تعالى :فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ . . .الإسراء : 23 . فتدل بالأولوية على عدم جواز ضربهما ، ويطلق على المفهوم الموافق لحن الخطاب وفحوى الخطاب ، لأن الحكم الثابت للمنطوق ، يثبت للمفهوم من نفس الخطاب وروحه ومعناه . والمفهوم الموافق حجة عند الجميع . ففي المثالفَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ . . . :فإنه يعلم من حال التأفيف وهو محل النطق ، وحال الضرب وهو غير محل النطق ، ويعلم اتفاقهما في الحرمة ، وقوله تعالى :فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُالزلزلة : 7 ، 8 . فإنه يعلم منه حال ما زاد على الذرة والمجازاة عليه . ومرجعه إلى التنبيه بالأدنى أي : الأقل مناسبة على الأعلى أي : الأكثر مناسبة ، وهو حجة إذا كان قطعيا ، بمعنى : قطعية العلية في الأصل كالإكرام في منع التأفيف وعدم تضييع الإحسان والإساءة في الجزاء . وأما إذا كان ظنيا فيدخل في باب القياس المنهي عنه ، كما يقال : يكره جلوس الصائم في الماء لأجل ثبوت الكراهة للمرأة الصائمة ؛ لعدم علم كون علة الكراهة للمرأة هو جذب الفرج الماء .
( 5 ) ومثاله : « إذا جاء زيد فأكرمه » فتدل بمفهوم المخالفة على أنه إذا لم يجئ زيد فلا تكرمه ، فإن هذا يخالف المنطوق . وسمي المنطوق بدليل الخطاب لأنه يفهم منه مباشرة وبلا واسطة . ودليل الخطاب ينقسم إلى مفهوم الشرط ، كما في المثال أعلاه ، ومفهوم الغاية ، ومفهوم الوصف ، ومفهوم الحصر ، ومفهوم العدد ، ومفهوم الزمان والمكان ، وقد وقع الخلاف بين الأصوليين في حجية المفهوم بجميع أقسامه ، فقال صاحب الحدائق « قدّس سرّه » : « فنفاه من أصحابنا المرتضى « قدّس سرّه » وجماعة من العامة ، وإليه مال المحدث السيد نعمة الله الجزائري والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي « قدس سرهما » وأدلة القوم - في كتب الأصول من الطرفين - متصادمة ، والاحتجاجات متعارضة . إلّا أن الظاهر تبادر