ومع ذلك فإنه لم يظهر لي بالضبط ما كان يقصد المتقدمون من علمائنا بالدليل العقلي ، حتى أن الكثير منهم لم يذكره من الأدلّة ، أو لم يفسره ؛ أو فسره بما لا يصلح أن يكون دليلا في قبال الكتاب والسنة ( 1 ) .
وأقدم نص وجدته ما ذكره الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 ه في رسالته الأصولية التي لخصها الشيخ الكراجكي ( 2 ) ، فإنه لم يذكر الدليل العقلي من جملة أدلة
شرح
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مدح العمل بمقتضى العقل وذم عكسه . وفي الحديث عن أبي الحسن « عليه السلام » حين سئل : فما الحجة على الخلق اليوم ؟ قال : فقال « عليه السلام » : « العقل ، يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه » . ( وهذا من حديث أبي يعقوب البغدادي عن أبي الحسن « عليه السلام » الذي رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل ، وهو الحديث - 20 - منه ) .
وفي آخر عن الصادق « عليه السلام » قال : « حجة الله على العباد النبي ، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل » . ( وهو حديث عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله « عليه السلام » الذي رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل ، وهو الحديث - 22 - منه ) .
وفي آخر عن الكاظم « عليه السلام » : « يا هشام إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة : فالرسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة : فالعقول » . ( هذا من حديث هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسى بن جعفر « عليه السلام » الذي رواه في الكافي في كتاب العقل والجهل ، وهو الحديث - 12 - منه ) .
قلت : لا ريب أن العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه وسراج منير من جهته جل شأنه ، وهو موافق للشرع ، بل هو شرع من داخل ، كما أن ذلك شرع من خارج ، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة ، وتتصرف فيه العصبية أو حب الجاه أو نحوهما من الأغراض الكاسدة ، وهو قد يدرك الأشياء قبل ورود الشرع بها فيأتي الشرع مؤيدا له ، وقد لا يدركها قبله ويخفى عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفا له ومبينا ، وغاية ما تدل عليه هذه الأدلّة : مدح العقل الفطري الصحيح الخالي من شوائب الأوهام العاري عن كدورات العصبية ، وأنه بهذا المعنى حجة إلهية ، لإدراكه بصفاء نورانيته وأصل فطرته بعض الأمور التكليفية ، وقبوله لما يجهل منها متى ورد عليه الشرع بها ، وهو أعم من أن يكون بإدراكه ذلك أولا أو قبوله لها ثانيا كما عرفت » .
( 1 ) والدليل على أن الدليل العقلي ليس واضحا عند الكثير من العلماء المتقدمين هو تفسيرهم الدليل العقلي بأنه البراءة الأصلية والاستصحاب ، وآخرون قصروه على الثاني ، وثالث فسره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب ، ورابع بعد البراءة الأصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج فيه مقدمة الواجب واستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص والدلالة الالتزامية « 1 » .
( 2 ) راجع تأليفه كنز الفوائد ص 186 المطبوع على الحجر في إيران سنة 1322 ه . والمطبوع حديثا في دار الأضواء ، بيروت .
هامش
( 1 ) راجع الحدائق الناضرة ، ج 1 ، ص 40 .