قد مضى في الجزء الثاني البحث مستوفى عن الملازمات العقلية ، لتشخيص صغريات حجية العقل ، أي : لتعيين القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي ، وبيان ما هو الدليل العقلي الذي يكون حجة .
وقد حصرناها هناك في قسمين رئيسين : « الأول » : حكم العقل بالحسن والقبح وهو قسم المستقلات العقلية ، و « الثاني » : حكمه بالملازمة بين حكم الشرع وحكم آخر ، وهو قسم غير المستقلات العقلية .
ووعدنا هناك ببيان وجه حجة الدليل العقلي ، والآن قد حل الوفاء بالوعد ، ولكن قبل بيان وجه الحجية لا بد من الكرة بأسلوب جديد إلى البحث عن تلك القضايا العقلية ، لغرض بيان الآراء فيها ، وبيان وجه حصرها وتعيينها فيما ذكرناه ، فنقول :
إن علماءنا الأصوليين من المتقدمين حصروا الأدلّة على الأحكام الشرعية في الأربعة المعروفة التي رابعها ( الدليل العقلي ) ، بينما أن بعض علماء أهل السنة أضافوا إلى الأربعة المذكورة القياس ونحوه على اختلاف آرائهم . ومن هنا نعرف إن المراد من الدليل العقلي ما لا يشمل مثل القياس ، فمن ظن من الأخباريين في الأصوليين أنهم يريدون منه ما يشمل القياس ليس في موضعه ، وهو ظن تأباه تصريحاتهم في عدم الاعتبار بالقياس ونحوه ( 1 ) .
شرح
الدليل العقلي : ( 1 ) ولم يكن هذا الظن نابعا من الفراغ ، وإنما نتج عن ارتكاز راسخ في أذهان الأخباريين وذلك نتيجة الواقع التاريخي الذي أعطى للعقل حدودا واسعة جدا في استنباط الحكم الشرعي . حيث قامت هذه الحركة والاتجاه منذ أواسط القرن الثاني مدرسة فقهية واسعة النطاق تحمل اسم مدرسة الرأي والاجتهاد ، وتطالب باتخاذ العقل بالمعنى الواسع الذي يشمل الترجيح والظن ، والتقدير الشخصي للموقف أداة رئيسية لاستنباط الحكم الشرعي ، وأطلقت على هذا الاتجاه اسم الاجتهاد .
ومن رواد هذه المدرسة : أبو حنيفة المتوفى سنة ( 150 ) ، والمعروف عن رجالات هذه المدرسة أنهم عندما لا يجدون بيانا شرعيا من الكتاب والسنة يدل على الحكم الشرعي يذهبون إلى أذواقهم الخاصة وعقولهم الناقصة ، ويفتون بما يتفق مع ظنهم وترجيحهم ويسمون ذلك استحسانا أو اجتهادا .