. . . . .
شرح
وذكر السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » في كتابه المعالم الجديدة للأصول : « والمعروف عن أبي حنيفة أنه كان متفوقا في ممارسة هذا النوع من العمل الفقهي ، فقد روي عن تلميذه محمد بن الحسن أن أبا حنيفة كان يناظر أصحابه فينتصفون منه ويعارضونه حتى إذا قال : استحسن لم يلحقه أحد . وجاء في كلام له وهو يحدّد نهجه العام في الاستنباط : « إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته ، فما لم أجده أخذت سنة رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله « صلى الله عليه وآله » أخذت بقول أصحابه من شئت وأدع من شئت ، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين فلي أن اجتهد كما اجتهدوا » . ثم يواصل السيد الشهيد « قدّس سرّه » : والفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة وتبني العقل المنفتح بوصفه وسيلة رئيسية للإثبات ومصدرا لاستنباط الحكم الشرعي ، وهي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول : « إن البيان الشرعي المتمثل في الكتاب والسنة قاصر لا يشتمل إلّا على أحكام قضايا محدودة ، ولا يتسع لتعيين الحكم الشرعي في كثير من القضايا والمسائل » .
وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتجاههم المذهبي السني ، إذ كانوا يعتقدون أن البيان الشرعي يتمثل في الكتاب والسنة النبوية المأثورة عن الرسول « صلى الله عليه وآله » فقط ، ولما كان هذا لا يفي إلّا بجزء من حاجات الاستنباط اتجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل والمناداة بمبدإ الاجتهاد » .
وبالجملة : إن هذا الاتجاه - الذي أعطي للعقل حدودا واسعة جدا في استنباط الحكم الشرعي - يرون أن العقل مصدرا للتشريع في قبال الكتاب والسنة . إلّا أن هذا الخطر أخذ بالتوسع إلى أن وصل إلى منحدر خطير جدا وذلك باتهام القرآن والسنة بالنقص وعدم الدلالة على بيان الحكم الشرعي في كثير من القضايا ، وعدم استيعاب الشريعة لمختلف شؤون الحياة . وهذا يعني : أن الشريعة الإسلامية تتصف بالنقص ، وإن الله لم يشرع في الإسلام إلّا أحكاما معدودة عبر عنها في القرآن والسنة . وترك التشريع في سائر المجالات الأخرى إلى الاجتهاد والاستحسان . وبهذا الاتجاه العقلي المتطرف نتج عنه القول بالتصويب أي : أنهم مصيبون جميعا لأحكام الله « عزّ وجلّ » . ونتج عن هذا الاتجاه العقلي المتطرف ردودات فعل كبيرة جدا ، ولم تقتصر هذه الردودات في الفقه الإمامي خاصة بل لقى معارضة في النطاق السني أيضا . « فعلى الصعيد الفقهي تمثل رد الفعل في قيام المذهب الظاهري على يد داود بن علي بن خلف الأصبهاني في أواسط القرن الثالث ، إذ كان يدعو إلى العمل بظاهر الكتاب والسنة والاقتصار على البيان الشرعي ، ويشجب الرجوع إلى العقل » .
وأما ردود الفعل في إنكار العقل الذي وجد داخل نطاق الفكر الإمامي فقد تمثل في جماعة من علمائنا اتخذوا اسم « الأخباريين والمحدثين » ، وقاوموا دور العقل في مختلف الميادين ، ودعوا إلى الاقتصار على البيان الشرعي فقط ، وتعليلهم إلى ذلك : أن العقل عرضة للخطإ وتاريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء وهؤلاء الأخباريين هم أنفسهم الذين شنوا حملة ضد الاجتهاد ، ويرجع تاريخ هذا الاتجاه - كما في المعالم الجديدة للأصول - إلى أوائل القرن الحادي عشر ، فقد أعلنه ودعا إليه شخص كان يسكن وقتئذ في المدينة باسم « الميرزا محمّد أمين الاسترآبادي » المتوفى ( 1023 ه ) ، ووضع كتابا