تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
أولا : أن أدلة خبر الواحد جميعها من آيات وروايات وبناء عقلاء ، أقصى دلالتها أنها تدل على وجوب تصديق الثقة وتصويبه في نقله لغرض التعبد بما ينقل ( 1 ) . ولكنها لا تدل على تصويبه في اعتقاده . بيان ذلك : أن معنى تصديق الثقة هو البناء على واقعية نقله ، وواقعية النقل تستلزم واقعية المنقول ، بل واقعية النقل عين واقعية المنقول ، فالقطع بواقعية النقل لا محالة يستلزم القطع بواقعية المنقول ( 2 ) ، وكذلك البناء على واقعية النقل يستلزم البناء على واقعية المنقول ( 3 ) . وعليه ، فإذا كان المنقول حكما أو ذا أثر شرعي صح البناء على الخبر والتعبد به بالنظر إلى هذا المنقول ، أما إذا كان المنقول اعتقاد الناقل ، كما لو أخبر شخص عن اعتقاده بحكم : فغاية ما يقتضي البناء على تصديق نقله هو البناء على واقعية اعتقاده الذي هو المنقول ، والاعتقاد في نفسه ليس حكما ولا ذا أثر شرعي . أما صحة اعتقاده ومطابقته للواقع فذلك شيء آخر أجنبي عنه ؛ لأن واقعية الاعتقاد لا تستلزم واقعية المعتقد به ، يعني : أننا قد نصدق المخبر عن اعتقاده في أن هذا هو اعتقاده واقعا ؛ لكن لا يلزمنا أن نصدق بأن ما اعتقده صحيح وله واقعية . ومن هنا نقول : إنه إذا أخبر شخص بأنه سمع الحكم من المعصوم صح أن نبني على واقعية نقله تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر ؛ لأن ذلك يستلزم واقعية المنقول وهو الحكم ، إذ لم يمكن التفكيك بين واقعية النقل وواقعية المنقول . أما إذا أخبر عن اعتقاده بأن المعصوم حكم بكذا فلا يصح البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر ؛ لأن البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له لا يستلزم البناء على واقعية معتقده ، فيجوز التفكيك بينهما . فتحصل : أن أدلة خبر الواحد إنما تدل على أن الثقة مصدق ويجب تصويبه في نقله ، ولا تدل على تصويبه في رأيه واعتقاده وحدسه . وليس هناك أصل عقلائي يقول : إن الأصل في الإنسان - أو الثقة خاصة - أن يكون مصيبا في رأيه وحدسه
شرح
( 1 ) أي : تصديقه في إخباراته الحسية دون الحدسية . ( 2 ) كما في الخبر المتواتر . ( 3 ) كما في خبر الثقة ، فإن الشارع نزل خبر الثقة منزلة الواقع تعبدا .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 171 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني