هذه خلاصة ما قيل من الوجوه المعروفة في استنتاج قول الإمام من الإجماع ، وقد يحصل للإنسان المتتبع لأقوال العلماء المحصل لإجماعهم بعض الوجوه دون البعض ، أي : لا يجب في كل إجماع أن يبتني على وجه واحد من هذه الوجوه ، وإن كان السيد المرتضى يرى انحصاره في الطريقة الأولى « الطريقة التضمنية » ، أي : الإجماع الدخولي ، والشيخ الطوسي يرى انحصاره في الطريقة الثانية « طريقة قاعدة اللطف » .
وعلى كل حال ، فإن الإجماع إنما يكون حجة إذا كشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم من أي سبب كان وعلى أية طريقة حصل . فليس من الضروري أن نفرض حصوله من طريقة مخصوصة من هذه الطرق أو نحوها ، بل المناط حصول القطع بقول المعصوم .
والتحقيق : أنه يندر حصول القطع بقول المعصوم من الإجماع المحصل ندرة لا تبقى معها قيمة لأكثر الإجماعات التي نحصلها ، بل لجميعها بالنسبة إلى عصور الغيبة . وتفصيل ذلك أن نقول ( ببرهان السبر والتقسيم ) : إن المجمعين إما أن يكون رأيهم الذي اتفقوا عليه بغير مستند ودليل أو عن مستند ودليل .
لا يصح الفرض الأول ؛ لأن ذلك مستحيل عادة في حقهم ، ولو جاز ذلك في حقهم فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحق .
فيتعين الفرض الثاني ، وهو أن يكون لهم مدرك خفي علينا وظهر لهم .
ومدارك الأحكام منحصرة عند الإمامية في أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والدليل العقلي . ولا يصح أن يكون مدركهم ما عدا السنة من هذه الأربعة :
أما ( الكتاب ) : فإنما لا يصح أن يكون مدركهم ، فلأجل أن القرآن الكريم بين أيدينا مقروء ومفهوم ، فلا يمكن فرض آية منه خفيت علينا وظهرت لهم . ولو فرض أنهم فهموا من آية شيئا خفي علينا وجهه فإن فهمهم ليس حجة علينا ، فاجتماعهم لو استند إلى ذلك لا يكون موجبا للقطع بالحكم الواقعي ، أو موجبا لقيام الحجة علينا . فلا ينفع مثل هذا الإجماع .
وأما ( الإجماع ) : فواضح إنه لا يصح أن يكون مدركا لهم ، لأن هذا الإجماع الذي صار مدركا للإجماع ننقل الكلام إليه أيضا ، فنسأل عن مدركه . فلا بد أن ينتهي إلى غيره من المدارك الأخرى ( 1 ) .
شرح
( 1 ) وهكذا فيلزم منه التسلسل التصاعدي الباطل .