تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
من عداه من العلماء الموجودين في عصره خاصة أو في العصور المتأخرة ، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة خفية أو ظاهرة ؛ إما بظهوره نفسه أو بإظهار من يبين الحق في المسألة . فإن قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الإمام وعصمته تقتضي أيضا أن يظهر الإمام الحق في المسألة التي يتفق المفتون فيها على خلاف الحق ، وإلّا للزم سقوط التكليف بذلك الحكم ، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه ونصب لأجله ، وهو تبليغ الأحكام المنزلة ( 1 ) .
شرح
( 1 ) فإن قاعدة اللطف مبنية على أساس عقلي ، وذلك بلزوم تدخل الشارع لمنع الاجتماع على الخطأ . قال السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري « قدّس سرّه » في كتابه تهذيب الأصول : قاعدة اللطف . واللطف : عبارة عن عناية الله تعالى ولطفه بخلقه وتدبير موجبات كمالهم الذي أعده لهم في علمه الأزلي . وهو إما تكويني ، أو تشريعي ، والأول : إيصال الممكنات إلى الغايات المعدّة لها ، والثاني : إيصال خصوص الإنسان إلى كماله المعنوي ببعث الرسل وإنزال الكتب وإتمام الحجة عليه والوعد والوعيد ، وقد حصل ذلك منه تعالى بأكمل وجه وأتم طريق . وقد يطلق اللطف على أنه يجب عليه تعالى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية بما لا ينافي الاختيار ، فإذا حصل إجماع على ما لا يرتضيه الله عليه تعالى صرفهم عنه ، أو إلهام ما هو الواقع إليهم . وفيه : أن الواجب على الله تعالى إنما هو اللطف بما هو المتعارف بين الناس ، وقد حصل ببعث الرسل وإنزال الكتب ، ولا دليل على وجوب شيء زائد عنه عليه تعالى ، لا بدليل عقلي ولا نقلي . وحينئذ : فيكون احتمال الخطأ في إجماع المجمعين كاحتماله في فتوى فقيه يكون مرجعا للتقليد . وقال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : « ولا يخفى : إن الاستناد إلى قاعدة اللطف غير صحيح على ما ذكر في محله . وملخصه : أن الواجب على الإمام « عليه السلام » بيان الأحكام بطرق متعارفة وقد بينها ، وعروض الاختفاء لها لبعض الجهات لا دخل له بالإمام « عليه السلام » ، فلا يجب عليه من باب اللطف إلقاء الخلاف إذا اجتمع العلماء على الخطاء ، فإذا علم استناد الحاكي إلى قاعدة اللطف فلا وجه للاعتماد على حكايته لأنه لم يحك قول الإمام « عليه السلام » ، لأن قاعدة اللطف فاسدة . والمفروض : أن إجماعات الشيخ كلها مستندة إلى هذه القاعدة . . . حيث قال في العدة : بأنه لولا قاعدة اللطف لم يمكن التوصل إلى معرفة موافقة الإمام « عليه السلام » للمجمعين » . إذا : هذه الدعوى ممنوعة صغرى وكبرى . أما الصغرى : - وهو اتفاق الكل الذي يدعي المدعي بعدم إمكان كون الكل على الخطأ - فلا يمكن تحصيله لأحد خصوصا في الأعصار السابقة الفاقدة للوسائل السريعة بين البلاد ؛ مع انتشار الفقهاء من أصحاب الفتاوى في الأقطار ، وعدم وجود كتاب فتوائي لكل واحد منهم حتى يطلع المتتبع على فتاواهم وينقلها عن حس ، ففي هذه الحالة كيف يمكن أن يطلع على فتوى الكل ، وأنهم متفقون في ذلك ؟