مثلا : إذا شاهد الأعجمي من أصحاب اللغة العربية انسباق أذهانهم من لفظ الماء المجرد عن القرينة إلى الجسم السائل البارد بالطبع ، فلا بد أن يحصل له العلم بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى عندهم . وعليه : فلا دور هنا لأن عمله يتوقف على التبادر ، والتبادر يتوقف على علم غيره .
( العلامة الثانية - عدم صحة السلب وصحته ، وصحة الحمل وعدمه )
ذكروا : أن عدم صحة سلب اللفظ عن المعنى الذي يشك في وضعه له علامة أنه حقيقة فيه ، وأن صحة السلب علامة على أنه مجاز فيه .
وذكروا أيضا : أن صحة حمل اللفظ على ما يشك في وضعه له علامة الحقيقة ، وعدم صحة الحمل علامة على المجاز .
وهذا ما يحتاج إلى تفصيل وبيان ، فلتحقيق الحمل وعدمه والسلب وعدمه نسلك الطرق الآتية :
1 - نجعل المعنى الذي يشك في وضع اللفظ له ( موضوعا ) ، ونعبر عنه بأي لفظ كان يدل عليه ( 1 ) .
ثم نجعل اللفظ المشكوك في وضعه لذلك المعنى ( محمولا ) بما له من المعنى الارتكازي .
ثم نجرب أن نحمل بالحمل الأولي اللفظ بما له من المعنى المرتكز في الذهن على ذلك اللفظ الدال على المعنى المشكوك وضع اللفظ له . والحمل الأولي ملاكه الاتحاد في المفهوم والتغاير بالاعتبار ( 2 ) .
وحينئذ : إذا أجرينا هذه التجربة فإن وجدنا عند أنفسنا صحة الحمل وعدم صحة السلب علمنا تفصيلا بأن اللفظ موضوع لذلك المعنى . وإن وجدنا عدم صحة
شرح
( 1 ) وبعبارة واضحة نقول : نجعل المعنى ( الحيوان الناطق ) الذي يشك في وضع اللفظ له موضوعا ، ثم نجعل اللفظ ( الإنسان ) الذي نشك في وضعه لذلك المعنى محمولا .
ثم نجرب الحمل على نحو الحمل الأولي للفظ الإنسان على ذلك المعنى ( الحيوان الناطق ) ، فإذا صح الحمل ولم يصح السلب علمنا تفصيلا أن الإنسان موضوع للحيوان الناطق على نحو الحقيقة .
وإذا لم يصح الحمل وصح السلب علمنا إنه ليس موضوعا لذلك المعنى ، فيكون استعماله فيه مجازا .
وسمي بالحمل الأولي باعتبارهما متحدين في المفهوم فإن مفهوم ، الإنسان متحد مع مفهوم الحيوان الناطق من دون فرق إلا في الإجمال والتفصيل .
( 2 ) وقد شرحنا الحمل وأقسامه في الجزء الأوّل من المنطق ص 76 . من الطبعة الثّانية . ( المصنف ) .