الحالية أو المقالية ( 1 ) . فإذا علم أن الدلالة مستمدة إلى نفس اللفظ من غير اعتماد على قرينة فإنه يثبت أنها ( 2 ) من جهة العلقة ( 3 ) الوضعية .
وهذا هو المراد بقولهم : « التبادر علامة الحقيقة » . والمقصود من كلمة التبادر هو :
انسباق المعنى من نفس اللفظ مجردا عن كل قرينة .
وقد يعترض على ذلك : بأن التبادر لا بدّ له من سبب ، وليس هو إلا العلم بالوضع ، لأن من الواضح : إن الانسباق لا يحصل من اللفظ إلى معناه في أية لغة لغير العالم بتلك اللغة ، فيتوقف التبادر على العلم بالوضع . فلو أردنا إثبات الحقيقة وتحصيل العلم بالوضع بسبب التبادر - لزم الدور المحال ( 4 ) - فلا يعقل - على هذا - أن
شرح
معنى الحيوان المفترس ويكثر ذلك ، حينئذ : سوف يحصل في ذهنك علم إجمالي بأن الحيوان المفترس معنى للفظ الأسد ، ولا تعلم تفصيلا بأنه موضوع له ، ثم إذا التفتّ إلى ذلك ، ورأيت أن معنى الحيوان المفترس هو المعنى المتبادر من لفظ الأسد فسوف تعلم أنه موضوع له تفصيلا لأن التبادر علامة الحقيقة . إذا : المراد من العلم الإجمالي هنا : هو العلم غير الملتفت إليه لا العلم الإجمالي في الاصطلاح الأصولي ، والتبادر مهمته أن يخرج هذا المعلوم من منطقة اللا شعور إلى منطقة الشعور بجعله ملتفتا إليه بعد أن كان مغفولا ، وجعله معلوما تفصيلا بعد أن كان معلوما إجمالا .
( 1 ) أي : اللفظ يكون دالا على المعنى بسبب قرينة مقالية أو حالية .
( 2 ) يثبت أن دلالة اللفظ على المعنى .
( 3 ) أي : العلم بوضع هذا اللفظ لهذا المعنى .
( 4 ) اعترض على أن التبادر علامة على الحقيقة مستحيل ، وذلك للزوم الدور .
وبيانه ما يلي : إن التبادر الحاصل من كلمة « الأسد » إلى « الحيوان المفترس » لا بدّ له من سبب ، وليس هو إلا العلم بالوضع أي : العلم بوضع لفظ « الأسد » إلى « الحيوان المفترس » ، فإذا علم أن كلمة « الأسد » موضوعة « للحيوان المفترس » حينئذ : يحصل للسامع التبادر إلى « الحيوان المفترس » عند استماعه للفظ « الأسد » .
- أما إذا لا نعلم بالوضع لا يحصل التبادر كما لو سمع الإنجليزي الذي يجهل اللغة العربية لفظة « الأسد » لا يتبادر إلى ذهنه معنى « الحيوان المفترس » .
إذا : التبادر موقوف على العلم بالوضع ، والعلم بالوضع موقوف على التبادر حسب الفرض ، وهذا يلزم منه الدور المحال . لأن كل منهما متوقف على الآخر . وعلى هذا لا يعقل أن يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع ، والمفروض : أنه موقوف عليه .
- وأجيب على محذور الدور : بأن التبادر يتوقف على العلم الإجمالي الارتكازي المغفول عنه ، والعلم التفصيلي يتوقف على التبادر . وبيان العلم الإجمالي الارتكازي المغفول عنه هو : أنك عندما تسمع جماعة يستعملون لفظ « الأسد » في معنى « الحيوان المفترس » ، ويكثر ذلك حينئذ : سوف يحصل في