تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع ، والمفروض : أنه مستفاد من العلم بالوضع . و ( الجواب ) : أن كل فرد من أية أمة يعيش معها لا بدّ أن يستعمل الألفاظ المتداولة عندها تبعا لها ، ولا بد أن يرتكز في ذهنه معنى اللفظ ارتكازا يستوجب انسباق ذهنه إلى المعنى عند سماع اللفظ ، وقد يكون ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيلي إليه وإلى خصوصيات المعنى . فإذا أراد الإنسان معرفة المعنى وتلك الخصوصيات توجهت نفسه إليه ، فإنه يفتش عما هو مرتكز في نفسه من المعنى ، فينظر إليه مستقلا عن القرينة ، فيرى أن المتبادر من اللفظ الخاص ما هو من معناه الارتكازي ، فيعرف أنه حقيقة فيه . فالعلم بالوضع لمعنى خاص بخصوصياته التفصيلية - أي : الالتفات التفصيلي إلى الوضع والتوجه إليه - يتوقف على التبادر ، والتبادر إنما هو موقوف على العلم الارتكازي بوضع اللفظ لمعناه غير الملتفت إليه . والحاصل : أن هناك علمين ، أحدهما : يتوقف على التبادر وهو العلم التفصيلي ، والآخر يتوقف التبادر عليه وهو العلم الإجمالي الارتكازي . هذا الجواب بالقياس إلى العالم بالوضع ، وأما بالقياس إلى غير العالم به : فلا يعقل حصول التبادر عنده لفرض جهله باللغة . نعم يكون التبادر أمارة على الحقيقة عنده إذا شاهد التبادر عند أهل اللغة ، يعني : أن الأمارة عنده تبادر غيره من أهل اللغة .
شرح
ذهنك علم إجمالي بأن « الحيوان المفترس » معنى للفظ « الأسد » ، ولا تعلم تفصيلا بأنه موضوع له ، ثم إذا : التفت إلى ذلك ، ورأيت أن معنى « الحيوان المفترس » هو المعنى المتبادر من لفظ « الأسد » فسوف تعلم تفصيلا أنه موضوع له حقيقة ؛ لأن التبادر علامة الحقيقة . إلا أن السيّد محمد باقر الصدر يرد على الاعتراض بالدور قائلا : لا محل له أساسا لأنه مبني على افتراض أن انتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ فرع العلم بالوضع ، مع أن التبادر فرع نفس الوضع أي : وجود عملية القرن الأكيد بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهن الشخص ، فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة « ماما » برؤية أمه يكفي نفس هذا الاقتران الأكيد ليتصور أمه عندما يسمع كلمة « ماما » ، مع إنه ليس عالما بالوضع ؛ إذ لا يعرف معنى الوضع ، فالتبادر إذا : يتوقف على وجود عملية القرن الأكيد بين التّصوّرين في ذهن الشخص ، والمطلوب من التبادر تحصيل العلم بالوضع أي : العلم بذلك القرن الأكيد فلا دور . إذا : العلم بالوضع يتوقف على التبادر ، والتبادر يتوقف على وجود عملية القرن الأكيد بين التصورين في الذهن . فلا دور لوجود المغايرة .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 78 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني