تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الزعم أن يشترك جميع البشر في هذه الدلالة ، مع إن الفارسي مثلا لا يفهم الألفاظ العربية ولا غيرها من دون تعلم ، وكذلك العكس في جميع اللغات . وهذا واضح . وعليه ، فليست دلالة الألفاظ على معانيها إلا بالجعل والتخصيص من واضع تلك الألفاظ لمعانيها . ولذا تدخل الدلالة اللفظية ( 1 ) هذه في الدلالة الوضعية ( 2 ) .
شرح
( 1 ) كدلالة لفظ الأسد على الحيوان المفترس . ( 2 ) الدلالة الوضعية أحد أقسام الدلالة ، والقسمان الآخران هما : الدلالة العقلية والطبعية . وتوضيح ذلك نقول : ما هو مفهوم الدلالة ؟ وما هي أقسامها ؟ تعريف الدلالة : قال أهل المنطق : إذا سمعت طرقة بابك ينتقل ذهنك - لا شك - إلى أن شخصا على الباب يدعوك . وليس ذلك إلا لأن هذه الطرقة كشفت عن وجود شخص يدعوك . وإن شئت قلت : إنها ( دلت ) على وجوده . إذا : طرقة الباب ( دال ) ، ووجود الشخص الداعي ( مدلول ) ، وهذه الصفة التي حصلت للطرقة ( دلالة ) . وهكذا ، كل شيء إذا علمت بوجوده ، ينتقل ذهنك منه إلى وجود شيء آخر نسميه ( دالا ) ، والشيء الآخر ( مدلولا ) ، وهذه الصفة التي حصلت له ( دلالة ) . فيتضح من ذلك : أن الدلالة هي : « كون الشيء بحالة إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى وجود شيء آخر » . أقسام الدلالة : لا شك إن انتقال الذهن من شيء إلى شيء لا يكون بلا سبب . وليس السبب إلا رسوخ العلاقة بين الشيئين في الذهن . وهذه العلاقة الذهنية أيضا لها سبب . وسببها العلم بالملازمة بين الشيئين خارج الذهن . ولاختلاف هذه الملازمة - من كونها ذاتية أو طبعية أو بوضع واضع وجعل جاعل - قسموا الدلالة إلى أقسام ثلاثة : عقلية وطبعية ووضعية . 1 - الدلالة العقلية : وهي فيما إذا كان بين الدال والمدلول ملازمة ذاتية في وجودهما الخارجي ، كالأثر والمؤثر . فإذا علم الإنسان - مثلا - أن ضوء الصباح أثر لطلوع قرص الشمس ، ورأى الضوء على الجدار ينتقل ذهنه إلى طلوع الشمس قطعا ، فيكون ضوء الصبح دالا على الشمس دلالة عقلية . ومثله إذا سمعنا صوت متكلم من وراء جدار فعلمنا بوجود متكلم ما . 2 - الدلالة الطبعية : وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبعية ، أعني : التي يقتضيها طبع الإنسان ، وقد يتخلف ويختلف باختلاف طباع الناس ، لا كالأثر بالنسبة إلى المؤثر الذي لا يتخلف ولا يختلف . وأمثلة ذلك كثيرة ، فمنها : اقتضاء طبع الإنسان أن يقول : ( أخ ) عند الإحساس بالألم ، و ( آه ) عند التوجع ، و ( أف ) عند التأسف والتضجر . ومنها : اقتضاء طبع البعض أن يفرقع أصابعه أو يتمطى عند الضجر والسأم ، أو العبث بما يحمل من أشياء أو بلحيته أو بأنفه ، أو يضع إصبعه بين أعلى أذنه وحاجبه عند التفكير ، أو يتثاءب عند النعاس . . . فإذا علم الإنسان بهذه الملازمات فإنه ينتقل ذهنه من أحد المتلازمين إلى الآخر ، فعند ما يسمع بكلمة ( أخ ) ينتقل ذهنه إلى أن متكلمها يحس بالألم ، وإذا رأى
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 53 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني