دلالة الدخان - مثلا - على وجود النار ، وإن توهم ذلك ( 1 ) بعضهم ، لأن لازم هذا
شرح
المعنى ، لكي يصبح سببا لتصور المعنى حقيقة ؟ وكلنا يعلم أن المؤسس وأي شخص آخر يعجز أن يجعل من حمرة الحبر الذي يكتب به سببا لحرارة الماء ، ولو كرر المحاولة مائة مرة قائلا : خصصت حمرة الحبر ( الذي أكتب به ) لكي تكون سببا لحرارة الماء ، فكيف يستطيع أن ينجح في جعل اللفظ سببا لتصور المعنى بمجرد تخصيصه لذلك دون أي علاقة سابقة بين اللفظ والمعنى ؟ وهكذا نواجه المشكلة كما كنا نواجهها سابقا ، فلا يكفي لحلها أن نفسر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عملية يقوم بها مؤسس اللغة ، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة .
- الاحتمال الثّالث : وهي نظرية التعهد ، والتعهد : هو عبارة عن التزام الواضع وتعهده بأن لا يأتي بلفظ الأسد إلا عند إرادة تفهيم معنى الحيوان المفترس . ولكن يرد على هذا المسلك .
ب أوّلا : بأن التعهد خلاف ما هو مألوف عند العرف ، لأن التعهد معناه الالتزام بأنه لا يستعمل اللفظ استعمالا مجازيا ؛ لأن المتعهد حينما يتعهد يقول : لا استعمل كلمة الأسد إلا عند إرادة تفهيم المعنى أي : الحيوان المفترس ، فلو فرضنا أنه أراد أن يستخدم لفظ الأسد في الرجل الشجاع هذا يكون خلاف تعهده ، وهذا معناه : أن الواضع لا يستعمل المجاز مطلقا ، وهذا خلاف ما هو المألوف عند العرب والناس ، فعليه : إن الوضع ليس بمعنى التعهد .
ثانيا : إن الدلالة اللفظية ، والعلقة اللغوية بموجب هذا المسلك تتضمن استدلالا منطقيا من انتقال من اللازم إلى الملزوم ، وهذا لا يدركه الإنسان العادي قبل أن يصل إلى مرحلة يستطيع أن يدرك هذا الاستدلال والانتقال من اللازم إلى الملزوم ، مع أن هذه العلقة اللفظية الموجودة بين اللفظ والمعنى موجودة في أوّل مراحل الإنسان أي : مرحلة الطفولة ، وقبل أن ينضج أي فكر استدلالي له . فالطفل عندما يستعمل اللفظ ( ماما ) لا يوجد عنده التعهد كما هو واضح . وهذا يكشف عن أن الوضع أبسط من ذلك .
- الاحتمال الرّابع : وهي نظرية الاقتران ، ومن هنا نصل إلى المسلك الأخير ، وهو الصحيح كما هو المختار عند السيّد الصّدر « قدس سره » فالتحقيق أن يقال : إن الوضع هو عبارة عن عملية الاقتران الحاصلة بين اللفظ والمعنى ، هذا الربط الأكيد الموجود بين اللفظ والمعنى هو عبارة عن الوضع ، وهذا الربط الحاصل بين تصور اللفظ وتصور المعنى تارة : يحصل بصورة عفويّة ، كالرّبط بين سماع الزئير ورؤية الأسد ، وأخرى : يحصل بالعناية التي يقوم بها الواضع إذ يربط بين اللفظ وتصوّر معنى مخصوص في ذهن الناس ، فينتقلون من سماع اللفظ إلى تصور المعنى . والاعتبار الذي تحدّثنا عنه في الاحتمال الثّاني ليس إلا طريقة يستعملها الواضع في إيجاد ذلك الربط والقرن المخصوص بين اللفظ وصورة المعنى . فمسلك الاعتبار هو الصحيح ، ولكن بهذا المعنى ( نظرية الاقتران ) ولذلك صح أن يقال : أن الوضع قرن مخصوص بين تصور اللفظ وتصور المعنى بنحو أكيد بحيث يستتبع عند ذكر اللفظ الانتقال إلى المعنى في الذهن .
( 1 ) أي : توهم أن دلالة الألفاظ على معانيها دلالة ذاتية .