3 - ( الجواز ) : والمقصود منه الجواز العقلي ، أي : الإمكان ( 1 ) المقابل للامتناع وهو واضح ، ويصح أن يراد منه الجواز العقلي المقابل للقبح العقلي ( 2 ) ، وهو قد يرجع إلى الأوّل باعتبار أن القبيح ممتنع على الله تعالى ( 3 ) .
والجواز له معان أخر كالجواز المقابل للوجوب والحرمة الشرعيين ، والجواز بمعنى الاحتمال . وكلها ( 4 ) غير مرادة قطعا .
* * * إذا عرفت تفسير هذه الكلمات الثّلاث الواردة في عنوان المسألة يتضح لك جيدا تحرير النزاع فيها ، فإن حاصل النزاع في المسألة يكون أنه في مورد التقاء عنواني المأمور به والمنهي عنه في واحد وجودا هل يجوز اجتماع الأمر والنهي ؟
ومعنى ذلك :
إنه هل يصح أن يبقى الأمر متعلقا بذلك العنوان المنطبق على ذلك الواحد ، ويبقى النهي كذلك متعلقا بالعنوان المنطبق على ذلك الواحد ، فيكون المكلف مطيعا
شرح
المصلي بأنّها صلاة ، وفي الوقت نفسه غصب ، وإلا لزم اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد ( الحركة الصادرة من المصلي في الأرض المغصوبة ) .
وأما الثّاني : وهو أن الشيء أو الفعل بماهيته الكلية ملتقى للعناوين كالكون الكلي في الأرض المغصوبة فإنّه بما هو كون يكون ملتقى لعنوان الصلاة وعنوان الغصب ، والصلاة في المغصوب كلي ينطبق على أفراد كثيرة كصلاة زيد وعمرو وأحمد وغيرهم في الأرض المغصوبة .
وأما الثّالث : المراد من الواحد بالجنس هو : أن يكون المأمور به والمنهي عنه متغايرين في الوجود ويدخلان في جنس واحد كالسجود لله والسجود للصنم ، وذلك لأنّهما فعلان لا يلتقيان في الخارج أصلا ، فإن السجود لله وجوده في الخارج يختلف عن السجود للصنم ، فالاختلاف في الفصل يستبطن التغير . والنزاع لا يشمل الواحد بالجنس لأنّه لا إشكال في إمكان توجه الأمر بالسجود لله ، وفي نفس الوقت توجه نهي عن السجود للصنم . وإنّما النزاع يتصور في الأوّل والثّاني .
( 1 ) أي : هل يمكن اجتماع الأمر والنهي عقلا على شيء واحد أم لا ؟
( 2 ) أي : هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بمعنى : إنّه لا يقبح عقلا ذلك أم لا ؟
( 3 ) أي بمعنى : أننا إذا قلنا بأن الجواز العقلي هو بمعنى حكم العقل بعدم قبح اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد بمعنى : أنّه ممكن على الله ، وذلك لأنّ هذا الشيء غير قبيح فلا يمتنع على الله ، وإنّما الذي يمتنع هو خصوص ما يحكم العقل بقبحه ، ولذلك لو حكم العقل بقبح ذلك لامتنع على الله لأن الله لا يصدر منه القبيح ، وعلى هذا : رجع جواز العقل وعدمه إلى الإمكان وعدمه .
( 4 ) أي : كل المعاني الأخر .