شرح
أن الأحكام تتعلق بالعناوين ، أو نقول : تتعلق بالمعنونات التي تتعدد بتعدد العنوان ، أو أنها تتعلق الأحكام بالمعنونات التي لا تتعدد بتعدد العنوان . هذه هي الجهة الثانية .
- فالقائل بجواز الاجتماع يرجع إلى الأول ، والقائل بالامتناع يذهب إلى الثاني .
- وأما جهة البحث في مسألة النهي عن العبادة فنقول : هل النهي يدل على الفساد أو لا يدل على الفساد ؟ فالفرق بين المسألتين جلي وواضح جدا لاختلاف جهة البحث فيهما .
الجواب الثاني : في بيان الفرق بينهم ما ذكره صاحب الفصول حيث قال : « وحاصل الفرق بين المسألتين هو : أن الموضوع في اجتماع الأمر والنهي متعدد ، لتعلق الأمر بطبيعة مغايرة للطبيعة التي تعلق بها النهي ، سواء أكانت النسبة بين الطبيعتين عموما من وجه كالصلاة والغصب ، أم عموما مطلقا كالضاحك بالفعل والإنسان في قوله : « أكرم الإنسان ولا تكرم الضاحك بالفعل » . فإن الموضوع متعدد حقيقة في كليهما أعني : الصلاة والغصب ، والإنسان والضاحك بالفعل . بخلاف مسألة النهي في العبادة ، فإن الموضوع فيها متحد حقيقة ، والتغاير إنما هو في الإطلاق والتقييد كقوله : ( صلّ ، ولا تصلّ في الدار المغصوبة أو اللباس كذلك ) » .
والحاصل : أن الموضوع هنا متعدد حقيقة ، وفي النهي في العبادة متحد كذلك « 1 » .
- الشيخ الآخوند الخرساني في كفايته رد على صاحب الفصول قائلا : اختلاف المسائل يرجع إلى اختلاف الجهة كما ذكرنا .
الجواب الثالث : الفرق الثالث بين هذه المسألة وتلك المسألة هي في مسألة اجتماع الأمر والنهي ، البحث فيها عقلي يعني : عقلا هل يجوز اجتماع الأمر والنهي أم لا ؟ وأما في مسألة النهي عن العبادة البحث فيها لفظي بأن نقول : النهي هل يدل على الفساد أم لا ؟
صاحب الكفاية عقب على هذا الفرق بنفس التعقيب الذي أورده على صاحب الفصول وهو : أن اختلاف مسألة عن مسألة يرجع إلى اختلاف في الجهة ، فإذا فرضنا أن الجهة واحدة في المسألتين لا بدّ أن نعقد مسألة واحدة ، غاية ما في الأمر : مرة نبحث فيها بحثا عقلي ، ومرة نبحث فيها بحثا لفظيا .
كأن نقول : هل يجوز عقلا اجتماع الأمر والنهي أم لا ؟
وإذا قلنا بالامتناع وقدمنا جانب النهي نقول : هل يدل النهي عن الفساد أم لا ؟
فالمسألة واحدة والبحث فيها عقلي ولفظي . وليس دائما أن يكون النزاع في مسألة أن النهي يدل على الفساد أم لا لفظي ، فبعض الأحيان النهي لا يكون مستفادا من اللفظ بل من الإجماع أو العقل ، فهنا لا يوجد عندنا لفظ حتى نقول يدل على الفساد أم لا ؟
الأمر الثالث : الغرض من عقد هذا الأمر إثبات كون مسألة الاجتماع من المسائل الأصولية ، وإن ذكرها في علم الأصول ليس استطراديا .
وقع الكلام في مسألة اجتماع الأمر والنهي هل هي من المسائل الأصولية أو من المبادي التصديقية ، أو من المبادي الأحكامية ، أو من المسائل الكلامية أو من المسائل الفقهية ؟
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 3 ، ص 17 .