الملازمات العقلية غير المستقلة ، ولا يصح إدراجها في مباحث الألفاظ .
وإن كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - ملازمة بينة بالمعنى الأخص ، فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظية وهي الدلالة الالتزامية خاصة . والدلالة الالتزامية من الظواهر التي هي حجة .
ولعله لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ ، وجعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص . وهم على حق في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها إلا لكونها ملازمة بينة بالمعنى الأخص ، ولكن الأمر ليس كذلك .
إذا : يمكننا أن نقول : إن هذه المسألة ذات جهتين باختلاف الأقوال فيها : يمكن أن تدخل في مباحث الألفاظ على بعض الأقوال ، ويمكن أن تدخل في الملازمات العقلية على البعض الآخر .
ولكن لأجل الجمع بين الجهتين ناسب إدخالها في الملازمات العقلية - كما صنعنا - لأن البحث فيها ( 1 ) على كل حال في ثبوت الملازمة ( 2 ) ، غاية الأمر : أنه على أحد الأقوال تدخل ( 3 ) صغرى لحجية الظهور ( 4 ) كما تدخل صغرى لحجية العقل ( 5 ) .
شرح
يخفى : أنه على القول بأن وجوب المقدمة بيّن بالمعنى الأعم ، أو غير بين لا دلالة للفظ في ذلك ، وإنّما الحاكم هو صرف العقل ، ولو سلمنا وجود دلالة اللفظ لكانت هذه الدلالة من نوع دلالة الإشارة التي هي ليست من قسم الظواهر ، ومثال ذلك : دلالة الآيتين على أقل الحمل وهما آيةوَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً، وآيةوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، فإنه بطرح الحولين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر فيعرف أنه أقل الحمل . ومن هذا الباب : دلالة وجوب الشيء على وجوب مقدمته ، لأنّه لازم لوجوب ذي المقدمة باللزوم البين بالمعنى الأعم . ولذلك جعلوا وجوب المقدمة وجوبا تبعيا لا أصليا ، لأنّه ليس مدلولا للكلام بالقصد ، وإنّما يفهم بالتبع أي : بدلالة الإشارة ، فتبقى الملازمة عقلية وليست لها علاقة باللفظ .
( 1 ) أي : في مقدمة الواجب .
( 2 ) لأنّ الحاكم بالملازمة هو العقل ، غاية ما في الأمر : أنّها على القول بأنّها لازم بين بالمعنى الأخص تدخل في مباحث الألفاظ ، بينما على القول بأنّها لازم بيّن بالمعنى الأعم أو غير بيّن تتمحض في المباحث العقلية .
( 3 ) أي : تدخل الملازمة .
( 4 ) ومثاله : وجوب ذي المقدمة ظاهر في وجوب المقدمة ، والظاهر حجة فينتج لنا وجوب المقدمة .
هذا على القول بأن اللازم بين بالمعنى الأخص .
( 5 ) ومثاله : وجوب ذي المقدمة يلزم منه عقلا وجوب المقدمة ، والعقل حجة فينتج لنا وجوب المقدمة .