تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
فإن قولنا : ( ما وجب لنفسه ) قد يتوهم منه المتوهم لأوّل نظرة أن العبارة تعطي أن معناها : أن يكون وجوب الشيء علة لنفسه في الواجب النفسي ، وذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيري ، إذ يستفاد منه : أن وجوب الغير علة لوجوبه كما عليه المشهور . ولا شك في : أن هذا محال في الواجب النفسي ، إذ كيف يكون الشيء علة لنفسه ؟
شرح
تقسيم الواجب إلى نفسي وغيري يكون باعتبار دواعي الطلب ، فإن كان الداعي إلى طلب شيء التوصّل به إلى واجب لا يمكن إيجاده إلا بإيجاد ذلك الشيء كان وجوب ذلك الشيء غيريا ، كالمسير إلى الحج ، فإنّه مطلوب للتوصل إلى الحجّ الذي لا يوجد إلا بالمسير . وإن لم يكن الداعي إلى طلب شيء التوصّل به إلى واجب كان ذلك وجوبا نفسيا ، كوجوب الحج ، فإن طلبه ليس لأجل التوصّل إلى واجب . إذا : فهو واجب نفسي سواء كان الداعي محبوبيّة الواجب بنفسه ، كالمعرفة بالله تعالى ، أو محبوبيّته بما له من فائدة مترتبة عليه ، كأكثر الواجبات من العبادات مثل : الصلاة والزكاة ونحوها . هذه كلها محبوبيتها لغيرها وهذا لا يؤثر في كونها واجبا نفسيا . المهم أن لا تكون واجبا لأجل واجب آخر . - ثم استدرك صاحب الكفاية قائلا : لكنه لا يخفى : أن الداعي لوجوب الصلاة والصوم . . . ونحوها من العبادات - لو كان هو محبوبيته بما له من الفائدة المرتّبة عليه - كان الواجب في الحقيقة واجبا غيريا ، لأن الصلاة وجبت لوجوب آخر وهي تلك الفائدة وهي النهي عن المنكر والأمر بالمعروف . إذا : مطلوبية الصلاة والصوم والحج . . . ونحوها إنما هي لأجل التوصّل إلى فوائدها ، فيصدق على تلك الواجبات : أنّها وجبت للتوصّل إلى واجب آخر ، وهذا حدّ الواجب الغيري . يرد إشكال هنا ومحصله : إنّ الفوائد المترتبة على الواجبات وإن كانت محبوبة ، ولذا دعت إلى إيجاب الأفعال المحصّلة لها ، لكنّها ليست متعلّقة للوجوب ، لعدم قدرة المكلّف عليها ، فإنّ الفائدة المترتّبة على الصلاة مثل : « معراج المؤمن » و « قربان كلّ تقي » خارجة عن حيّز قدرة المكلّف التي هي شرط صحة التكليف ، فالفوائد المترتبة على الواجبات لا يتعلق الواجب بها ، فلا يصدق حدّ الواجب الغيري - وهو كونه واجبا للتوصّل إلى واجب آخر - على القسم الثاني من الواجبات النفسيّة . رد صاحب الكفاية على هذا الإشكال وحاصله : منع خروج تلك الفوائد عن حيّز القدرة ، بل هي مقدورة للمكلّف ، فلا مانع من تعلّق التكليف بها . توضيحه : أنّ المقدور على قسمين : أحدهما : تسبيبي ، كالإحراق المترتّب على الإلقاء في النار . والآخر : مباشري كالإلقاء في النار ، والمقدور بكلا القسمين يصح تعلّقه التكليف به ، فإنّ الأمور الاعتبارية كالملكيّة ، والزوجيّة ، والعتق ، والطلاق ، وغير ذلك من المسببات التوليديّة المقدورة - لأجل القدرة على أسبابها - يصحّ التكليف بها ، والفوائد المترتّبة على الواجبات النفسيّة من هذا القبيل ، لانطباق ضابط المسبّب التوليدي عليها ، فلم يندفع إشكال اندراج الواجبات النفسيّة في الواجبات