ومنشأ هذا الرأي عنده : اعتقاده بأن دليل الأصل في موضوعات الأحكام موسع لدائرة الشرط أو الجزء المعتبر في موضوع التكليف ومتعلقه بأن يكون مثل قوله « عليه السلام » : « كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر » يدل على أن كل شيء قبل العلم بنجاسته محكوم بالطهارة . والحكم بالطهارة حكم بترتيب آثارها وإنشاء لأحكامها التكليفية والوضعية التي منها الشرطية ، فتصح الصلاة بمشكوك الطهارة كما تصح بالطاهر الواقعي .
ويلزم من ذلك : أن يكون الشرط في الصلاة - حقيقة - أعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية .
وإذا كان الأمر كذلك فإذا انكشف الخلاف لا يكون ذلك موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل يكون بالنسبة إليه من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل .
فلا يتصور حينئذ معنى لعدم الإجزاء بالنسبة إلى ما أتى به حين الشك . والمفروض :
أن ما أتى به يكون واجدا لشرطه المعتبر فيه تحقيقا ، باعتبار أن الشرط هو الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية حين الجهل ، فلا يكون فيه انكشاف للخلاف ولا فقدان للشرط .
وقد ناقشه شيخنا الميرزا النائيني بعدة مناقشات يطول ذكرها ولا يسعها هذا المختصر ، والموضوع من المباحث الدقيقة التي هي فوق مستوى كتابنا .
3 - الإجزاء في الأمارات والأصول مع انكشاف الخطأ بحجة معتبرة :
وهذه أهم مسألة في الإجزاء من جهة عموم البلوى بها للمكلفين ، فإن المجتهدين كثيرا ما يحصل لهم تبدل في الرأي بما يوجب فساد أعمالهم السابقة ظاهرا .
ويتبعهم المقلدون له . والمقلدون أيضا قد ينتقلون من تقليد شخص إلى تقليد
شرح
على وجوبها . فأما على الأوّل : فعدم الإجزاء من جهة تبين بطلان الواقع ، وأما على الثّاني : فعدم الإجزاء لأجل أن نشوء مصلحة في صلاة الجمعة التي قام الأصل على وجوبها لا يعني أن الواجب الواقعي وهو صلاة الظهر قد ارتفعت مصلحته ، بل يبقى الواجب الواقعي ذا مصلحة ، حينئذ إذا انكشف الخلاف فهذه المصلحة الموجودة في الواجب الواقعي تدعو لامتثاله والإتيان به ، فعليه : لا تجزي صلاة الجمعة عن الظهر إلا إذا علمنا من دليل خاص بأن الواجب علينا صلاة واحدة ، فحينئذ :
إن قلنا بالطريقية فلا بدّ أن نأتي بالظهر ، وإذا قلنا بالسببية حينئذ : لا نأتي بالظهر لنشوء مصلحة في تعلق وجوب الجمعة ، وهذه المصلحة تسد مسد الحكم الواقعي .