وأما في ( الموضوعات ) : فالظاهر أن المعروف عندهم : أن الأمارة فيها قد أخذت على نحو ( الطريقية ) ، كقاعدة اليد ( 1 ) والصحة ( 2 ) وسوق المسلمين ( 3 ) ونحوها ، فإن أصابت الواقع فذاك ، وإن أخطأت فالواقع على حاله ولا تحدث بسببها مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع . غاية الأمر : أن المكلف معها معذور عند الخطأ وشأنها في ذلك شأن الأمارة في الأحكام .
والسر في حملها على ( الطريقية ) هو : أن الدليل الذي دل على حجية الأمارة في الأحكام هو نفسه دل على حجيتها في الموضوعات بلسان واحد في الجميع ( 4 ) ، لا
شرح
هي ترتفع من حين انكشاف النجاسة وحصول العلم بها الذي هو ما بعد الصلاة . هذا كله لو كان المستند لإحراز الطهارة هو قاعدة الطهارة ، وأما لو كان المستند هو خبر الثقة فتجب الإعادة ؛ لأن خبر الثقة لا يجعل طهارة ظاهرية جديدة مغايرة للطهارة الواقعية ، حتى يلزم اتساع دائرة الشرطية إلى الطهارة الواقعية ، ويحاول إيصالنا لها من دون أن يجعل الطهارة جديدة . هذا حاصل توجيه تفصيل العلمين وينبغي لفت نظر القارئ إلى :
1 - إن الإجزاء الذي قال به هذان العلمان لا يستند إلى ملازمة عقلية بين الحكم الظاهري والإجزاء ؛ بل إلى الاستظهار من دليل قاعدة الطهارة مثلا ، فإن لسان « كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر » يفهم منه :
جعل طهارة جديدة بعنوان الطهارة الظاهرية ، الذي يلزم منه : اتساع دائرة الشرطية وبالتالي الإجزاء .
2 - قد تقول : لما ذا يلزم - بعد استفادة جعل الطهارة الظاهرية من دليل قاعدة الطهارة - اتساع دائرة الشرطية إلى الطهارة الظاهرية ؟ وما هي نكتة التوسعة المذكورة ؟
والجواب : إذا لم تتسع دائرة الشرطية يلزم أن يكون جعل الطهارة الظاهرية لغوا وبلا فائدة ، فلو لم تترتب عليها آثار الطهارة الواقعية التي منها صحة الصلاة فما فائدة جعلها وتشريعها « 1 » .
( 1 ) فإن وضع اليد على شيء ما دليل على ملكيته ، فاليد صرف طريق إلى الواقع .
( 2 ) ومثاله : إذا شك المكلف في بيع بائع ، فإنّه يجري أصل الصحة أي : صحة البيع ، وأصل الصحة ما هو إلا صرف طريق إلى الواقع .
فائدة : موضوع جريان أصل الصحة هو الشّك في فعل المؤمن الذي له أثر شرعي .
( 3 ) ومثاله : إذا شك المكلف في تذكية لحم البقر ، فالأصل عدم التذكية ، ولكن باعتبارها في سوق المسلمين ، حكمنا بتذكيتها لأنّ سوق المسلمين صرف طريق إلى الواقع إلا أنّها تارة تصيب الواقع ، وتارة تخطئه .
( 4 ) فالدليل الذي دل على حجية الأمارة في الأحكام هو كونها صرف طريق إلى الواقع ، وأيضا هو صرف طريق لتعيين الموضوع . فالأمارة في الأحكام كالأمارة في الموضوعات ، غاية ما في الأمر : إذا أخطأت الأمارة في الأحكام فهو معذور ، وكذلك في الموضوعات .
هامش
( 1 ) راجع نفس المصدر السابق ، ص 415 - 417 .