أما في ( الأحكام ) : فلأجل اتفاقهم على مذهب التخطئة ، أي : أن المجتهد يخطئ ويصيب ، لأن لله تعالى أحكاما ثابتة في الواقع يشترك فيها العالم والجاهل ، أي : أن الجاهل مكلف بها كالعالم ، غاية الأمر : إنها غير منجّزة بالفعل بالنسبة إلى الجاهل القاصر ( 1 ) حين جهله ، وإنما يكون معذورا في المخالفة لو اتفقت له باتباع الأمارة ، إذ لا تكون الأمارة عندهم إلا طريقا محضا لتحصيل الواقع ( 2 ) .
ومع انكشاف الخطأ لا يبقى مجال للعذر ، بل يتنجز الواقع حينئذ في حقه من دون أن يكون قد جاء بشيء يسد مسده ويغني عنه .
ولا يصح القول بالإجزاء إلا إذا قلنا : أنه بقيام الأمارة على وجوب شيء تحدث فيه مصلحة ملزمة ، على أن تكون هذه المصلحة وافية بمصلحة الواقع يتدارك بها مصلحة الواجب الواقعي ، فتكون الأمارة مأخوذة على نحو الموضوعية للحكم .
ضرورة أنه مع هذا الفرض يكون ما أتى به على طبق الأمارة مجزيا عن الواقع ؛ لأنه قد أتى بما يسد مسده ويغني عنه في تحصيل مصلحة الواقع .
ولكن هذا معناه التصويب المنسوب إلى المعتزلة ، أي : أن أحكام الله تعالى تابعة لآراء المجتهدين ( 3 ) وإن كانت له أحكام واقعية ثابتة في نفسها ، فإنه يكون - عليه - كل رأي أدى إليه نظر المجتهد قد أنشأ الله تعالى طبقه حكما من الأحكام .
شرح
( 1 ) الجاهل القاصر من لم يتمكن من الفحص أو فحص فلم يعثر . ويقابله المقصر ، وهو بعكسه .
والأحكام منجزة بالنسبة إلى المقصر لحصول العلم الإجمالي بها عنده ، والعلم منجز للأحكام وإن كان إجماليا فلا يكون معذورا . بل الاحتمال وحده بالنسبة إليه يكون منجزا . وسيأتي البحث عن ذلك في ( مباحث الحجة ) . ( المصنّف ) .
( 2 ) هذا إشارة إلى أن الأمارة مأخوذة على نحو الطريقية الصرفة ، وحينئذ : فوجه عدم الإجزاء واضح لأنّ الأمارة إذا كانت طريقا صرفا للواقع بعد أن يتبين خطأها ينكشف فوات مصلحة الواقع على المكلف فلا بدّ من تداركها إما بالإعادة أو القضاء ، ولكن يوجد من الأصوليين المتأخرين من يقول : بأن الأمارة مجعولة على نحو الطريقية ، ومع ذلك يقولون بالإجزاء ويلتزمون به ، ووجهه : أنّه توجد مصلحة في سلوك الأمارة تعوض مصلحة الواقع كمصلحة التسهيل وما شابه ، وعلى هذا لم يفت على المكلف شيء بسبب التعويض .
( 3 ) بمعنى : إن الفقيه عندما يقف أمام الأمارة عند الجهل بالحكم الواقعي يكون مؤدى الأمارة هو الحكم الواقعي ، لأنّ الله ينشئ على طبق الأمارة حكما واقعيا ، فعليه : الأمارة في هذه الحالة تكون دائما مصيبة للواقع .