تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
بادي رأي الجميع ( 1 ) ، فلا بد أن يحكم الشارع بحكمهم ، لأنه منهم بل رئيسهم . فهو بما هو عاقل - بل خالق العقل - كسائر العقلاء لا بد أن يحكم بما يحكمون ( 2 ) ، ولو فرضنا إنه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع ، وهذا خلاف الفرض ( 3 ) . وبعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى ، وهي : إنه لو ورد من الشارع أمر في مورد الحكم العقل كقوله تعالى :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ،
فهذا الأمر من الشارع هل هو أمر مولوي أي : أنه أمر منه بما هو مولى ، أو أنه أمر إرشادي أي : أنه أمر لأجل الإرشاد إلى ما حكم به العقل ، أي : أنه أمر منه بما هو عاقل ؟ وبعبارة أخرى : أن النزاع هنا في أن مثل هذا الأمر من الشارع ، هل هو أمر تأسيسي ، وهذا معنى أنه مولوي ، أو أنه أمر تأكيدي وهو معنى أنه إرشادي ( 4 ) .
شرح
الإجابة الثانية : إن العقلاء إذا حكموا بحسن الصدق مثلا فلا يمكن أن يحكم الشارع بوجوبه ؛ لأن الغرض من حكم الشارع بالوجوب ليس إلا تحريك المكلف نحو الصدق ، ونحن ما دمنا قد فرضنا حكم العقل بحسن الصدق فيكفي ذلك لتحريك المكلف نحو فعل الصدق بلا حاجة إلى حكم الشارع بوجوبه ؛ بل لا يمكن ذلك لأنه أشبه بتحصيل الحاصل ، إذ ما دام المكلف متحركا نحو الصدق فحكم الشارع بوجوبه يكون من قبيل تحريك المتحرك . هكذا ذكر الشّيخ العراقي في نهاية الأفكار ، ج 3 ، ص 37 . والسيّد الخوئي في مصباح الأصول ، ج 2 ، ص 26 . وفيه : إن محذور اللغوية وتحصيل الحاصل غير لازم لأن حكم العقل بالحسن وإن كان قد يحرك المكلف نحو فعل الصدق ؛ ولكن محركية هذا الحسن العقلي لربما تكون بدرجة ضعيفة لا يهتم المكلف معها بالصدق ، بينما لو حكم الشارع بالوجوب قويت تلك المحركية وصارت سببا لإقدام المكلف على الصدق ، والشارع المقدس إذا كان مهتما بالصدق ويريد التحرك نحوه فمن اللازم أن يحكم بوجوبه . ( 1 ) ( بادي رأي الجميع ) يراد من هذه العبارة الاتفاق ، يعني : هذا الحكم يكون اتفاق رأي الجميع . ( 2 ) بل قد يقال : أن مقتضى أنه خالق العقل وأنه سبحانه سيّد العقلاء أن يخالفهم في بعض الأمور على أقل الأمور ؛ وذلك لقصور العقل وعدم إحاطته في بعض الأمور . ( 3 ) هذا البرهان الذي اعتمد عليه المصنّف في إثبات مطلوبه يسمى برهان الخلف وهو عبارة عن استدلال غير مباشر يبرهن به على كذب نقيض المطلوب ؛ ليستدل به على صدق المطلوب كما هو الحال هنا . ( 4 ) الثمرة العملية بين الأمر الإرشادي والأمر المولوي هو : إن الأول لا يوجد عقاب عليه في حالة مخالفته ، والثاني يترتب عليه عقاب فيما لو خالفه .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 395 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني