والحق : أن الملازمة ثابتة عقلا ، فإن العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه - أي :
أنه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شيء لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع ، أو على قبحه لما فيه من الإخلال بذلك - فإن الحكم هذا يكون
شرح
2 - إن الملازمة غير ثابتة ، وعلى هذا بنى صاحب الفصول وجماعة من المتأخرين كالشّيخ العراقي والسيّد الخوئي والسيّد الشهيد .
واستدل أصحاب الإجابة الأولى : بأن العقل إذا حكم بحسن شيء فبما أن الشارع عاقل أيضا بل سيّد العقلاء ورئيسهم فيلزم أن يحكم هو أيضا .
وفيه : أنه تارة : نبني على أن صفة الحسن والقبح من الصفات الواقعية الثابتة قبل خلق العقلاء ، وأخرى : نبني على كونها صفة مجعولة من قبل العقلاء . فإن بني على الأول فالملازمة المدعاة بين حكم العقل وحكم الشارع لا وجه لها فإن العقل حينما يحكم بأن الصدق مثلا حسن فالمقصود كشف العقل عن ثبوت حسن الصدق واقعا ؛ لا إنه هو الذي يحكم ويثبت الحسن - إذا المفروض أن الحسن ثابت واقعا بقطع النظر عن حكم العقل والعقلاء - ومعه : فموافقة الشارع للعقلاء لا معنى لها سوى أن الشارع يدرك ثبوت صفة الحسن للصدق واقعا كما أدرك العقلاء ذلك ، وواضح أن هذا أجنبي عن مسألة الملازمة ، فإن المقصود من الملازمة هو إثبات حكم شرعي بالوجوب أو الحرمة لا مجرد إدراك الشارع ثبوت صفة الحسن والقبح واقعا .
وإن بني على الثاني وأن صفة الحسن والقبح تثبت بحكم العقلاء فنسأل لما ذا يلزم - عند حكم العقلاء بحسن - حكم الشارع ؟ إن ذلك يحتاج إلى نكتة ، وقد يقال : تلك النكتة هي : أن العقلاء حينما - لا يحكمون بحسن الصدق مثلا فلا بدّ من وجود مصلحة في الصدق هي التي دعتهم للحكم على طبقها بالوجوب ، ولكن يردها : أن أحكام الشارع وإن كانت تابعة للمصالح بيد أن استكشاف الوجوب من المصلحة هو عبارة أخرى عن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي النظري وليس استكشافا له من الحكم العقلي العملي - والمفروض : أن كلامنا الآن في استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي العملي دون النظري - ومرّ بنا سابقا أن استكشاف الحكم الشرعي من الحكم النظري صعب جدا ؛ إذ من البعيد قطع العقل بتحقق المصلحة والشرط وفقدان المانع فإن العقل يدرك محدوديته وضعفه .
هذا كله لو فرض أن نكتة تحتم حكم الشارع عند حكم العقلاء هي : أن حكم العقل بالحسن ناشئ من المصلحة ، وعند وجود المصلحة يلزم حكم الشارع بالوجوب .
أما إذا فرض أن نكتة تحتم حكم الشارع ليست هي المصلحة ؛ بل أن العقلاء إذا حكموا بحسن الصدق مثلا فحيث أنهم لا يحكمون أهواءهم - بل عقلهم - فقط فيلزم أن يحكم الشارع كما حكموا لأنه عاقل مثلهم بل رئيسهم ، إن النكتة إذا كانت هذه فيردها عدم الدليل على الملازمة ، فإن مجرد كون الشارع أحد العقلاء بل رئيسهم لا يصلح نكتة على حتمية حكم الشارع بل قد يقتضي العكس ، إذ مقتضى كون الشارع رئيس العقلاء كون عقله أكبر فقد يطلع على ما خفي على غيره .