وهذه هي المسألة الأصولية التي تخص علمنا ، وكل ما تقدم من الكلام كان كالمقدمة لها . وقد قلنا سابقا : أن الأخباريين فسر كلامهم - في أحد الوجوه الثلاثة
شرح
هي مسألة أصولية والمسمّاة بمسألة الملازمة .
وهذه المسألة يجري عليها التفصيل بالتفريق الذي ذكر بين الحكم النظري والعملي ، أي : عندما نريد أن نتكلم عن هذه الملازمة ما بين حكم العقل وحكم الشارع نتكلم عنها من ناحيتين : ناحية الحكم النظري وناحية أخرى الحكم العملي . كما تكلم عنها السيّد محمّد باقر الصدر « قدّس سرّه » في حلقاته ، وهو تفصيل ممتاز في هذا البحث . وإليك ما تفصيل ما ذكر في الحلقة الثالثة الجزء الأول مزجا بينه وبين ما شرحه فضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني لمطالب أستاذه « قدّس سرّه » مع التصرف .
الملازمة بين الحكم النظري وحكم الشارع : قلنا سابقا ما المراد من الحكم النظري ، وقلنا اختصارا : الحكم النظري هو إدراك ما يكون ثابتا في الواقع ، فمع التسليم أن العقل قد أدرك المصلحة أو المفسدة الواقعية يتبعه حكم الشارع على طبقه ؛ لأن إدراكه هذا بمثابة العلة التامة الداعية للمولى إلى جعل الحكم على طبقه وفقا لحكمته تعالى ؛ لأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد ، وأن الملاك متى ما تم بكل خصوصياته وشرائطه وتجرد عن الموانع عن التأثير كان بحكم العلة التامة الداعية للمولى إلى جعل الحكم على طبقه كما قلت .
وعلى هذا الأساس ( أي : إذا تم الملاك ) فمن الممكن نظريا أن نفترض إدراك العقل النظري لذلك الملاك بكل خصوصياته وشؤونه ، وفي مثل ذلك يستكشف الحكم الشرعي لا محالة استكشافا لميا ، أي بالانتقال من العلة ( إدراك العقل للمصلحة أو المفسدة ) ، إلى المعلول ( حكم الشارع به ) .
إلا أن السيّد الصدر « قدّس سرّه » عقب قائلا : ولكن هذا الافتراض صعب التحقق من الناحية الواقعية لأن عقل الإنسان محدود ، وهو يعلم بأنه قد تخفى عليه أشياء كثيرة ، فلرب مانع موجود وهو لا يعلم به ؛ أو شرط مفقود وهو يجهله ، أجل لو حصل القطع بتحقق العلة التامة لزم حصول القطع بالحكم الشرعي .
الملازمة بين الحكم العملي وحكم الشرع : هل توجد ملازمة بين حكم العقل بالحسن والقبح وبين حكم الشارع ؟ فلنتعرض قبل تحقيقه إلى مقدمة صغيرة مرّ مضمونها سابقا ، وحاصلها : إن صفة الحسن والقبح هل هي من الصفات الثابتة في عالم الواقع بقطع النظر عن العقلاء كصفة استحالة الدور مثلا ؛ بحيث أن العقلاء بحكمهم بالحسن والقبح يكشفون عما هو ثابت في عالم الواقع دون أن يثبتوا شيئا لم يكن فيه أو إنها صفة تثبت بحكم العقلاء ، فحينما يحكم العقلاء بأن الشيء ينبغي فعله يثبت الحسن ، وحينما يحكمون بأنه ينبغي تركه يثبت القبح ، وطبيعي حكمهم بالحسن والقبح ليس عبثا وبلا نكتة بل ناشئ من إدراكهم للمصلحة والمفسدة ، فلأجل إدراكهم وجود المصلحة في الصدق يحكمون بحسنه ، ولإدراكهم وجود المفسدة في الكذب يحكمون بقبحه .
وباختصار : الحسن والقبح على هذا الاتجاه حكمان مجعولان من قبل العقلاء كسائر الأحكام المجعولة