تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
المتقدمة الذي يظهر من كلام بعضهم - بإنكار هذه الملازمة . وأما الأصوليون فقد أنكرها منهم صاحب الفصول ولم نعرف له موافقا . وسيأتي توجيه كلامهم وكلام الأخباريين .
شرح
من قبلهم مثل : حكمهم بوجوب إقامة العزاء على الميت . غاية الأمر : حكمهم بحسن الصدق وقبح الكذب مثلا حكم متفق عليه بينهم ولم يخالف فيه أحد ، وما ذاك إلا لوضوح ثبوت المصلحة في الصدق والمفسدة في الكذب ، بخلاف مثل إقامة العزاء على الميت فإنه قد لا يكونون متفقين عليه بسبب عدم وضوح المصلحة فيه . والصحيح هو الاتجاه الأول لناحيتين : أ - أن الاتجاه الثاني مخالف للوجدان فإنه قاض بأن الظلم قبيح والعدل حسن حتى قبل أن يخلق الله سبحانه العقلاء ، فكما أن استحالة الدور أمر ثابت في الواقع حتى قبل وجود العقلاء كذلك حسن العدل وقبح الظلم . ب - ذكر الاتجاه الثاني : أن الحسن والقبح حكمان مجعولان من قبل العقلاء وأنهم يجعلون الحسن والقبح لأجل وجود المصلحة والمفسدة في الشيء ، فالشيء لأجل مصلحته يحكمون بحسنه ولأجل مفسدته يحكمون بقبحه ، هكذا ذكروا ولكنه غير مسلم دائما إذ أحيانا يحكم العقلاء بقبح الشيء وليس فيه مفسدة أو يحكمون بحسن الشيء وليس فيه مصلحة . ومثال ذلك : لو فرض وجود إنسان مريض يتمنى الموت لحظة بعد أخرى وليس لوجوده أي نفع ، فإذا قتل واستخرج من قلبه دواء خاص أمكن أن يستفيد منه شخصان عالمان نحفظ به حياتهما ، في مثل هذه الفرضية يكون قتل ذلك الشخص غير مشتمل على المفسدة ؛ إذ أي مفسدة في قتل مثل الشخص المذكور ولكن مع ذلك هو قبيح . إذا : صفة الحسن والقبح لا تنشأ دائما من المفسدة والمصلحة بل قد تنشأ من غيرهما وإن كانت في الغالب تنشأ منهما . إن قلت : إن القتل في المثال المذكور إذا لم يكن مشتملا على المفسدة فكيف حكم العقلاء بالقبح ؟ إن حكمهم المذكور يكون بلا مبرر . قلت : إن هذا نفسه دليل على حقانية الاتجاه الأول وأن الحسن والقبح صفتان ثابتتان في الواقع ولا ربط لهما بالمصلحة والمفسدة - خلافا لما يدعيه أصحاب الاتجاه الثاني - وإن كانتا في الغالب تلتقيان مع المصلحة والمفسدة وتكونان هما المنشأ لحكم العقل بالحسن والقبح . وبعد هذا التوضيح الذي شرحه فضيلة الأستاذ الشّيخ باقر الإيرواني : يعود إلى صلب الموضوع قائلا : طرحنا فيما سبق تساؤلا وهو إنه إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه فهل يلزم حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة ؟ واستعرضنا قبل الإجابة مقدمة ، وبعد الفراغ منها نعود إلى تساؤلنا السابق . وقد طرحت له إجابتان : الإجابة الأولى : 1 - إن الملازمة ثابتة ، فإذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه لزم حكم الشارع أيضا ، وعلى هذا بنى الميرزا والشّيخ الأصفهاني « قدّس سرّهما » .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 393 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني