لقد وقع الخلاف في ذلك ، والحق : أنه للإرشاد حيث يفرض أن حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن واندفاع إرادته للقيام به ، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثابتا ، بل يكون عبثا ولغوا ، بل هو مستحيل لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل ( 1 ) .
وعليه ، فكل ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا ( 2 ) .
نعم لو قلنا : بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذم فقط ، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى ، أو أنه يلزم منه ذلك بل هو عينه ( 3 ) ولكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن ألا يكون نفس إدراك استحقاق المدح والذم كافيا لدعوة كل أحد إلى الفعل إلا للأفذاذ من الناس ، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتب على موافقته الثواب وعلى مخالفته العقاب في مقام الدعوة إلى الفعل وانقياده ، فإذا ورد أمر من المولى في مورد حكم العقل المستقل فلا مانع من حمله على الأمر المولوي ، إلا إذا استلزم منه محال التسلسل كالأمر بالطاعة والأمر بالمعرفة . بل مثل هذه الموارد لا معنى لأن يكون الأمر فيها مولويا ، لأنه لا يترتب على موافقته ومخالفته غير ما يترتب على متعلق المأمور به ، نظير الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي ( 4 ) .
شرح
( 1 ) الغرض من الأمر المولوي : إيجاد الداعي والبعث ، وحيث أن البعث متحقق بحكم العقل فلا حاجة لجعل المولى الداعي والبعث ثانيا وإلا للزم تحصيل الحاصل .
( 2 ) مثلا : إذا حكم العقل بوجوب إطاعة الله « سبحانه وتعالى » ففي هذه الحالة : إذا جاء أمر بوجوب الإطاعة فإنّه أمر إرشادي أي : إرشاد إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة .
( 3 ) الحق كما - صرح بذلك كثير من العلماء المحققين - أن معنى استحقاق المدح ليس إلا استحقاق الثّواب ، ومعنى استحقاق الذم ليس إلا استحقاق العقاب ، بمعنى : أن المراد من المدح ما يعم الثّواب لأن المراد بالمدح المجازاة بالخير ، والمراد من الذم : ما يعم العقاب لأن المراد به المكافأة بالشر . ولذا قالوا : إن مدح الشارع ثوابه ، وذمه عقابه ، وأرادوا به هذا المعنى . ( المصنّف ) .
( 4 ) وبعبارة أوضح : أن الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي أمر إرشادي ، أي : إرشاد إلى لزوم موافقة التكليف المعلوم بالإجمال ، والمكلف إذا احتاط يوافق التكليف المعلوم بالإجمال ، لا أنّه جاء بموافقتين إحداهما موافقة التكليف المعلوم بالإجمال ، والثّانية موافقة الأمر بالاحتياط .